
حقيقة السير والسلوك عدم الاعتداد بالنفس
تستمرّ هذه المحاضرة بشرح جملة وما أنا يا ربّ وما خطري فتبيّن أنّها مبدأ يختصر السير والسلوك، وميزان توزن به المدارس والمجالس المختلفة في عاداتها ورسومها، فالمجلس والمدرسة اللذين يجعلان للحاضرين شأنًا اعتباريًّا وكاذبًا بإرسال الدعوات ورفع الصلوات يكشفان بذلك عن زيفهما. والتزام هذا المبدأ هو السرّ في الصفاء الذي يبدو عند المنتسبين إلى مدرسة المرحوم العلّامة أوائل انتسابهم، لكنّ مرض الاعتداد ونسيان وما أنا يا ربّ وما خطري هو الذي يوقعهم في السير القهقرائيّ بعد سنوات، أما الراسخون الثابتون فهم الذين يبقون على هذه الحالة حتّى لو بلغوا مقام البقاء بعد الفناء كما كان أمير المؤمنين مع رسول الله صلوات الله عليهما وآلهما، وكما كان المرحوم العلاّمة مع أستاذه السيّد الحدّاد رضوان الله عليهما.
حقيقة السير والسلوك عدم الاعتداد بالنفس
الوصف:
تستمرّ هذه المحاضرة بشرح جملة وما أنا يا ربّ وما خطري فتبيّن أنّها مبدأ يختصر السير والسلوك، وميزان توزن به المدارس والمجالس المختلفة في عاداتها ورسومها، فالمجلس والمدرسة اللذين يجعلان للحاضرين شأنًا اعتباريًّا وكاذبًا بإرسال الدعوات ورفع الصلوات يكشفان بذلك عن زيفهما. والتزام هذا المبدأ هو السرّ في الصفاء الذي يبدو عند المنتسبين إلى مدرسة المرحوم العلّامة أوائل انتسابهم، لكنّ مرض الاعتداد ونسيان وما أنا يا ربّ وما خطري هو الذي يوقعهم في السير القهقرائيّ بعد سنوات، أما الراسخون الثابتون فهم الذين يبقون على هذه الحالة حتّى لو بلغوا مقام البقاء بعد الفناء كما كان أمير المؤمنين مع رسول الله صلوات الله عليهما وآلهما، وكما كان المرحوم العلاّمة مع أستاذه السيّد الحدّاد رضوان الله عليهما.
حقيقة السير والسلوك عدم الاعتداد بالنفس
7حينما كنت أقرأ عن أحوال بعض هؤلاء الملوك، استرعى انتباهي كلامٌ ورد عن أحوال واحد منهم، حيث كان أحدُهم يتحدّث عنه ويقول: في البداية، كانت علاقتي بفلان (أحد شخصيّات الزمان الغابر) بهذا النحو: حيث كنت أمازحه ويمازحني، لكن، بعد مرور مدّة من الزمان، وانقضاء عدّة سنوات، لم أعُد أتجرّأ على ممازحته، بل الأنكى من ذلك، أنّني كلّما أردت أن أحدّثه بكلام، فإنّني أتأمّل ألف مرّة في كلامي لكيلا يُفهم منه ما يقدح في عباءته! ـ مع أنّ الظاهر أنّه لم يكن يلبس عباءةً، بل كان يلبس قميصًا وسروالًا! ـ ولا يُفهم من كلامي ما يقدح في منزلته ووجاهته، فيكون سببًا في استيائه منّي وغضبه عليّ.. فما الذي حصل؟! فهو لم يكن في الأوّل على هذه الحال، فما الذي حصل، حتّى صار هكذا شيئًا فشيئًا؟ لقد نسي بالتدريج "وما خطري"، وغابت عن باله: "وما أنا"، وحلّت محلّها تدريجيًّا: أنا موجود، وأنا كائن أتحلّى بمجموعة من الصفات. ففي البداية، كان يعيش حالة [من الصفاء والبساطة]، لكن في عالمه الخاصّ وأجوائه الخاصّة، ثمّ بدأت هذه الحالة تتغيّر شيئًا فشيئًا، إلى أن بلغ به المقام أن يقول عنه أقرب الناس إليه: لم أعُد أتجرّأ على المزاح مع صاحب السموّ!
فالإنسان لا يصل إلى هذه الدرجة دفعةً واحدة، بل بالتدريج. والأمر نفسه ينطبق علينا نحن أيضًا؛ فكلّ واحد منّا بالنسبة لنفسه هو صاحب سموّ، بدءًا منّي أنا ووصولًا إلى بقيّة الناس، غاية الأمر أنّ هذا السموّ له درجات: فبعضهم سُمُوُّه سامٍ جدًّا إلى أن يصل إلى الله تعالى!!! نعوذ بالله تعالى من أمثال هؤلاء... وبعضهم سُمُوُّه دانٍ؛ فكلّنا أصحاب سموّ!
إنّ الإمام السجّاد عليه السلام يعلّمنا هنا أن: لا تسمحوا لهذا "السموّ" أن يزيد، بل حافظوا عليه دائمًا منكسرًا في المراتب الدانية. إنّ هذا هو سرّ السلوك والحركة نحو الله تعالى، وهو أن لا يسمح الإنسان لهذا الفرعون الذي في نفسه أن يكبر ويصعد إلى الأعلى والأعلى والأعلى حتّى يبلغ الإنسان إلى حيث لا يتحمّل كلمة تقال له، فإن وجّه إليه أحد كلمة، تجده ينفعل ويقول: لماذا قال لي ذلك؟! أنا ماذا فعلت؟! فهو لا يحتمل أيّة ملاحظة أو نقد أو نصيحة. لماذا؟ لأنّ هذا الفرعون قد كبر في نفسه كثيرًا، وعندما يكبر الفرعون في نفس الإنسان، فحينئذٍ لا يمكن إصلاح الأمر، ولا يمكن للإنسان أن يتحدّث، ولا يمكن أن تفعل له شيئًا. وهنا، تراه بدأ يتحرّك في هذه النفس ويمشي ويسير فيها.
