
حقيقة السير والسلوك عدم الاعتداد بالنفس
تستمرّ هذه المحاضرة بشرح جملة وما أنا يا ربّ وما خطري فتبيّن أنّها مبدأ يختصر السير والسلوك، وميزان توزن به المدارس والمجالس المختلفة في عاداتها ورسومها، فالمجلس والمدرسة اللذين يجعلان للحاضرين شأنًا اعتباريًّا وكاذبًا بإرسال الدعوات ورفع الصلوات يكشفان بذلك عن زيفهما. والتزام هذا المبدأ هو السرّ في الصفاء الذي يبدو عند المنتسبين إلى مدرسة المرحوم العلّامة أوائل انتسابهم، لكنّ مرض الاعتداد ونسيان وما أنا يا ربّ وما خطري هو الذي يوقعهم في السير القهقرائيّ بعد سنوات، أما الراسخون الثابتون فهم الذين يبقون على هذه الحالة حتّى لو بلغوا مقام البقاء بعد الفناء كما كان أمير المؤمنين مع رسول الله صلوات الله عليهما وآلهما، وكما كان المرحوم العلاّمة مع أستاذه السيّد الحدّاد رضوان الله عليهما.
حقيقة السير والسلوك عدم الاعتداد بالنفس
9لقد كان خطاب رسول الله عندما جاء وخاطب المشركين أنّ عليكم أن تفتحوا عيونكم، وتفتحوا آذانكم لتروا الحقائق وتسمعوها، ثمّ تحكموا بأنفسكم.. قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَه﴾۱، فهؤلاء هم الذين بشّرهم الله تعالى في القرآن الكريم كما بشّر الشهداء، فالله تعالى يقول: بشّر هؤلاء بالصلاح وبشّرهم بالتكامل، وبشّرهم بالوصول إلى المقصد والغاية! هذا هو معنى البشارة وإلاّ فبأيّ شيء يبشّرهم، وما معنى البشارة هنا؟ ما معنى أن يقول تعالى: بشّر أولئك الذين يستمعون القول وينتخبون أحسنه فيتّبعونه؟! لنفرض أنّنا فعلنا ذلك، فما هي النتيجة؟ فبشارة الله تعالى لها حساب وكتاب! فالمراد: بشّر هؤلاء بأنّهم سيصلون من خلال هذا الطريق إلى ذلك الهدف وتلك الغاية التي ينشدونها والتي ينبغي أن يصلوا إليها، وأنّ الوصول وتحقّق هذا الهدف لا يحصلان إلا من خلال هذا الطريق، فلا يمكن أن تصل إلى الكمال إلّا من هذا الطريق وهو أن تسمع الكلمات المختلفة فهو يقول: ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾ ولم يقل: (يستمعون القول الحسن) ، وبالتالي فعلى الإنسان أن يسمع الكلمات المختلفة والآراء المختلفة. كما قال الشاعر:
مرد آن است که گیرد اندر گوش *** ور نوشته است پند بر دیوار (يقول: الرجل كلّ الرجل هو من كانت الحكمة ضالّته فهو يستمع إليها بغض النظر عن القائل، وينظر في الكلام حتّى لو كان مكتوبًا على الحائط)
إنّ حضرة سليمان عليه السلام قد قبِل نصيحة عصفور، وتأثّر بها حتّى خرّ مغشيًا عليه... بسبب كلام عصفور!
و من هنا، فعلى الإنسان أن يتّبع هذا السبيل: ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَه﴾، وليس سبيل من يكون جوابه عن الأسئلة والإشكالات: يا عزيزي إنّك لا تفهم الآن! فابق هنا حاليًا، واصبر أكثر...
نعم، يمكن أن يكون هناك أمور لا تقبل الإدراك والفهم.. أجل، فهناك الكثير من المطالب التي لا يمكن إدراكها؛ ومثل هذه المطالب لا داعي لأن يذكرها الإنسان أصلًا، فهي مطالب لا يمكن أن يفهمها كلّ أحد، ولكلّ مقام مقال. ولكنّ الكلام في المطالب التي يطرحها الإنسان، ويذكرها أمام الناس، ويدعو الناس إليها، فهذه المسائل لا يصحّ أن يقول عنها هذا الكلام (أي أنّها لا تقبل الفهم) ، وإلاّ فإلى أيّ شيء يدعو الناس؟! فأنا عندما أكتب كتابًا وأذكر فيه أمرًا ما، وأطبعه وأنشره في الدنيا كلّها، فذلك يعني أنّني حاضر للجواب عنه.. هذا هو معنى ذلك، وإلاّ فلمَ تكتب هذه المطالب؟! إن لم تكن قادرًا على الجواب على الإشكالات، فلم تكتب أصلًا؟! كان عليك أن تبقي تلك الأمور في قلبك ولا تنشرها للناس.
- سورة الزمر، ذيل الآية ۱۷ و صدر الآية ۱۸.
