
حقيقة السير والسلوك عدم الاعتداد بالنفس
تستمرّ هذه المحاضرة بشرح جملة وما أنا يا ربّ وما خطري فتبيّن أنّها مبدأ يختصر السير والسلوك، وميزان توزن به المدارس والمجالس المختلفة في عاداتها ورسومها، فالمجلس والمدرسة اللذين يجعلان للحاضرين شأنًا اعتباريًّا وكاذبًا بإرسال الدعوات ورفع الصلوات يكشفان بذلك عن زيفهما. والتزام هذا المبدأ هو السرّ في الصفاء الذي يبدو عند المنتسبين إلى مدرسة المرحوم العلّامة أوائل انتسابهم، لكنّ مرض الاعتداد ونسيان وما أنا يا ربّ وما خطري هو الذي يوقعهم في السير القهقرائيّ بعد سنوات، أما الراسخون الثابتون فهم الذين يبقون على هذه الحالة حتّى لو بلغوا مقام البقاء بعد الفناء كما كان أمير المؤمنين مع رسول الله صلوات الله عليهما وآلهما، وكما كان المرحوم العلاّمة مع أستاذه السيّد الحدّاد رضوان الله عليهما.
حقيقة السير والسلوك عدم الاعتداد بالنفس
17«وما أنا يا ربِّ وما خطري» إنَّ الإمام السجّاد إذ يخاطب الله بهذا الخطاب، يدرك حقيقة الأمر أكثر من أيّ فرد آخر، أكثر منِّي ومنك. فما أقوله الآن، والذي تدركونه أنتم وتحلّلونه في أنفسكم، يشعر به الإمام السجّاد بتمام وجوده، فلو سأل الله الإمام السجّاد يومًا: ما هي مكانتك ومن تكون؟ فماذا سيكون جواب الإمام؟ إنَّه سيقول: أنا صفر يا ربّ. وهو نفس ما قاله المرحوم العلاّمة عندما قال: أنا في مقابل أستاذي صفر؛ ولم يقل هذا الكلام في بداية تعرّفه على أستاذه فقط، بل لقد سمعناه منه مرارًا وتكرارًا طوال حياته؛ فكان يقول: أنا صفر في مقابله. ولم يكن ذلك من باب التواضع ومجرّد إظهار الأدب تجاهه، بل كان يرى واقع الأمر ويلمسه ويقول ذلك بناءً عليه؛ هذا في الوقت الذي كنَّا نشاهد منه كلّ شيء. فهنا يكمن العجب، وذلك بأن يظهر ويبرز من أحدهم كلّ هذه الأمور، وفي الوقت نفسه يمتلك حالًا كهذا في قرارة نفسه، ولا يرى لتلك الأشياء معنىً ولا يكون لها تأثير على نفسه. فجميع تلك الأشياء تتوقف عند لباسه وتبقى خارجًا ولا تنفذ إلى قلبه لكي تفسده.
ضرورة التخلّي عن كافّة الاعتبارات والألقاب قبل الدخول إلى مجلس الذكر
لذا فقد كان يقول: على الإخوة والأصدقاء أن يلقوا بكلّ ما لديهم خارج المجلس قبل ورودهم إليه، فعليهم أن يقوموا بتفريغ ما لديهم خارج الباب ويدخلوا المجلس وحيدين. أتلاحظون عظمة هذا الكلام؟ لقد علّمنا كلّ ذلك، ولكن أين هي الأذن الواعية؟ فعلى المهندس، أن يتخلى عن علم الهندسة الذي يمتلكه ويضعه جانبًا عند وصوله الباب، ويدخل بسرواله وقميصه فقط، وعلى الطبيب أن يضع علم طبّه جانبًا ويدخل بسرواله وقميصه فقط، فليس لهذه الأمور مكانة هنا. وكذا يكون الأمر مع المجتهد. كما ينطبق هذا الأمر على الرجل الوضيع أيضًا، فالحذر من أن يأخذ وضاعته بنظر الاعتبار، فعليه أن يضع فقره جنب الباب ويدخل وهو مرتاح البال. وعلى من يمتلك شيئًا أن يتركه خارج الباب ويدخل. فهذا المجلس هو من مجالس ذكر الله. وليس لهذه الأمور الاعتباريّة مكانة في مجالس ذكر الله، بل تكون لها مكانة في أماكن أخرى، فتستطيع في تلك الأماكن أن تضيف إلى نفسك ما تريد إضافته، فإن كنت طالبًا للعلوم الدينيّة في سنتك الأولى، وقلت بأنَّك آية الله العظمى، فلا ضير في ذلك وتستطيع أن تفعله! وإن كنت طالبًا في المرحلة الأولى من كلية الطب، وادّعيت بأنَّك بروفسور تمتلك العديد من شهادة (P H D) فلن تواجه مشكلة بسبب ذلك! أمّا في هذا الطريق، فلا مكان لمثل هذه الأشياء؛ بل يجب أن تطرح كلّ ما لديك جانبًا وتأتي بمفردك، نعم، وحيدًا. فإن جئت وحيدًا، فسينالك الفيض؛ فلقد كان مجيئك بمفردك، ولم تكن قد جلبت معك شيئًا آخر. يقول الله: أنا واحد وأبحث عن الوحيد؛ فإن قلت أنا أمتلك كذا وكذا من الخصوصيّات، لقيل لك، لقد أخطأت العنوان، فعليك الذهاب إلى مكان آخر، ومتى ما جئت بمفردك، فسيكون لنا معك شأن آخر، فسيحصل لك شيء ما عندها. فعلينا السعي دائمًا على المحافظة على حال الشعور بالفقر وعدم امتلاك المؤهّلات، وعلينا أن نضع عبارة الإمام السجاد تلك نصب أعيننا دائمًا.
