
حقيقة السير والسلوك عدم الاعتداد بالنفس
تستمرّ هذه المحاضرة بشرح جملة وما أنا يا ربّ وما خطري فتبيّن أنّها مبدأ يختصر السير والسلوك، وميزان توزن به المدارس والمجالس المختلفة في عاداتها ورسومها، فالمجلس والمدرسة اللذين يجعلان للحاضرين شأنًا اعتباريًّا وكاذبًا بإرسال الدعوات ورفع الصلوات يكشفان بذلك عن زيفهما. والتزام هذا المبدأ هو السرّ في الصفاء الذي يبدو عند المنتسبين إلى مدرسة المرحوم العلّامة أوائل انتسابهم، لكنّ مرض الاعتداد ونسيان وما أنا يا ربّ وما خطري هو الذي يوقعهم في السير القهقرائيّ بعد سنوات، أما الراسخون الثابتون فهم الذين يبقون على هذه الحالة حتّى لو بلغوا مقام البقاء بعد الفناء كما كان أمير المؤمنين مع رسول الله صلوات الله عليهما وآلهما، وكما كان المرحوم العلاّمة مع أستاذه السيّد الحدّاد رضوان الله عليهما.
حقيقة السير والسلوك عدم الاعتداد بالنفس
16فكان أمير المؤمنين يقول للقوم: إنَّ رسول الله قد أمر بالإتيان بصلاة التراويح فرادى، فمن تكون أنت [يا عمر حتّى تأمر بخلاف ما أمر به النبي]؟ كان عمر يقول: أنا مثل النبي، فإن كان قد أمر بأدائها فرادى، فها أنا آمر بأدائها جماعة! فيا للعجب! لقد كان يقول: أنا زميلُ محمّد، أي عِدلُ محمّد. لقد نسي جناب عمر ما الذي كان عليه قبل الإسلام. فقد حضرتَ لدى النبي لسنتين يا عمر، لم تقاتل خلالها، بل كنت تهرب دائمًا؛ فهنالك رجال آخرون، هم الذين كانوا يقاتلون؛ ثمّ ترفع نفسك لتقول: أنا زميل محمّد.۱ فهل أوصلك الإسلام إلى هذه الدرجة؟ العياذ بالله من أن يحصل للمرء شيء كهذا! فيعتنق الإسلام، ثم يتكلّم بكلام كهذا! فيا ليتك لم تُسلم منذ البداية، إذًا لبقيت على ما كنت عليه، أعرابيًّا من أهل البادية مثل عرب الجاهليّة الآخرين؛ ولا يصل بك الحال إلى أن تقوم بغصب الخلافة وتمزيق جسد بنت رسول الله وقتلها، وتملأ صحيفة أعمالك وحتّى العرش بهذه الأعمال؛ ثم يأتي اليوم الذي تُحاسب فيه عليها. فليتك لم تسلم من البداية وتبقى على ما كنت عليه. إنَّ الأمر في غاية الأهميّة.
لهذا كان المرحوم العلاّمة يحذرنا من هذا الأمر بصورة مستمرّة [ويقول:] ليت ذلك الذي يأتي ويضع قدمه في طريق السلوك ثم ينحرف عنه، ليته لم يأتِ منذ البداية؛ فسيكون مَثَله مثَل البيضة التي [لم تكتمل حضانتها بعد] فتفسد وتتلف؛ فلو لم يكن قد جاء منذ البداية، لبقي بيضة سالمة، فعلى الرغم من عدم تحوّلها إلى فرخ دجاج، غير إنَّه كان بالإمكان الاستفادة منها كبيضة قابلة للأكل على الأقل. أمّا أن يأتي إلى هذا الطريق، ويتعلّم أمورًا، ويتبدّل حاله، ثم ينحرف ويتبدّل مسيره، وتتبلور في نفسه وتبرز لديه تلك الأنانيّة والاستكبار، فلا يمكن علاجه والحال هذه؛ فليته لم يأتِ منذ البداية؛ نعم، ليته لم يأتِ؛ فليته بقي على ما كان عليه كطالب للعلوم الدينيّة ولم يكن قد وضع قدمه في هذا المسير، وليته بقي على ما كان عليه كبائع مشغول بالبيع والشراء، ولم يكن قد اطّلع على هذه المسائل، وليته، وليته، ... فخلاصة الأمر، علينا أن نلتجئ إلى الله ونطلب منه عدم سلبنا تلك النعمة؛ فتلك مسألة حياتيّة يتوقف عليها وجود الإنسان بأكمله.
- تاريخ الطبري، ج٣، ص ٢٩۱.
