
حقيقة السير والسلوك عدم الاعتداد بالنفس
تستمرّ هذه المحاضرة بشرح جملة وما أنا يا ربّ وما خطري فتبيّن أنّها مبدأ يختصر السير والسلوك، وميزان توزن به المدارس والمجالس المختلفة في عاداتها ورسومها، فالمجلس والمدرسة اللذين يجعلان للحاضرين شأنًا اعتباريًّا وكاذبًا بإرسال الدعوات ورفع الصلوات يكشفان بذلك عن زيفهما. والتزام هذا المبدأ هو السرّ في الصفاء الذي يبدو عند المنتسبين إلى مدرسة المرحوم العلّامة أوائل انتسابهم، لكنّ مرض الاعتداد ونسيان وما أنا يا ربّ وما خطري هو الذي يوقعهم في السير القهقرائيّ بعد سنوات، أما الراسخون الثابتون فهم الذين يبقون على هذه الحالة حتّى لو بلغوا مقام البقاء بعد الفناء كما كان أمير المؤمنين مع رسول الله صلوات الله عليهما وآلهما، وكما كان المرحوم العلاّمة مع أستاذه السيّد الحدّاد رضوان الله عليهما.
حقيقة السير والسلوك عدم الاعتداد بالنفس
15أحوال أمير المؤمنين مصداق لهذا المبدأ
وهكذا كان حال أمير المؤمنين مع رسول الله، فقد كان يقول: إنَّما أنا صفر في مقابل رسول الله، فمن أكون أنا؟ فأنا عبدٌ من عبيد محمّد. فما معنى عبد من أولئك العبيد؟ هذا يعني بأنَّ العبد يساوي صفرًا، فليس للعبد إرادة مستقلّة؛ فهل يمكن أن يكون للعبد إرادة مستقلّة؟ هل يستطيع فعل أيّ شيء يريد؟ وهل يستطيع الذهاب إلى أيّ مكان يشاء؟ وهل يستطيع التصرّف بأيّ نحوٍ كان؟ فلو فعل ذلك، لكان قد ارتكب مخالفة؛ فلا بدّ وأن يكون تصرّفه بإذن مولاه.
يقول أمير المؤمنين: لا تقولوا بأنَّني أنا الذي قلعت باب خيبر، أو أنا الذي رددت الشمس؛ فأمير المؤمنين كان قد قام بردِّ الشمس في عهد رسول الله أيضًا، فأنتم تعلمون الحادثة؟ ولقد عمل على ردّ الشمس مرّتين، حصلت إحداهما في حياة رسول الله، حيث كان هنالك مسجد في المدينة في نفس المكان الذي حصلت فيه الحادثة باسم مسجد ردِّ الشمس، وقد قاموا بهدمه؛ وحصلت الأخرى بعد وفاة رسول الله في مدينة بابل في العراق عندما كان عائدًا من صفين. وها أنا أقول عن لسان أمير المؤمنين ـ وأعتقد بأنَّ جدي سيكون راضيًا إن شاء الله عمّا أقول ـ : لا تتعجّبوا من ذلك، فقلع باب خيبر وردّ الشمس وشقّ الجبل وما هو أكبر من ذلك إنّما هو عمل لا قيمة له إذا ما قورن بقدرة رسول الله، فأنا عبد ليس إلاّ، فلا تروا ذلك منِّي، بل هو من رسول الله؛ كما إنَّ الرسول يقول: لا تروا ذلك منِّي، بل هو من الله. فما الذي يقوله الجميع؟ يقولون: توجّهوا إلى الله؛ فلماذا تنظر إليَّ فيشتبه عليك الأمر وترى لي وجودًا وشخصية وشأنًا إلى جنب وجود الله؟ ولماذا لا تنظر إلى الحقيقة وواقع الأمر؟
يجب علينا دائمًا أن نعتبر هذا الأمر كأصل أوليّ، بل وعلينا أن نتذكّر دائمًا بأنَّه أهمّ وأدقّ أصل. وأنا أقول لكم هنا أيّها الإخوة: إنَّ هذا الأمر يعتبر أهمّ من الصلاة والصيام والحجّ والخمس والزكاة، بل وأهمّ من الجهاد في سبيل الله والأمر بالمعروف. وهو ألاّ يقيم الإنسان لنفسه وزنًا؛ فهذا أهمّ من كلّ شيء. فإن امتلكت هكذا حال، فستُقبل منك صلاتك وصومك وحجّك، وإلاّ فسيكون حجّك مثل حجّ عمر، وصلاتك وصومك مثل صلاة وصوم عمر وأبي بكر.
