
حقيقة السير والسلوك عدم الاعتداد بالنفس
تستمرّ هذه المحاضرة بشرح جملة وما أنا يا ربّ وما خطري فتبيّن أنّها مبدأ يختصر السير والسلوك، وميزان توزن به المدارس والمجالس المختلفة في عاداتها ورسومها، فالمجلس والمدرسة اللذين يجعلان للحاضرين شأنًا اعتباريًّا وكاذبًا بإرسال الدعوات ورفع الصلوات يكشفان بذلك عن زيفهما. والتزام هذا المبدأ هو السرّ في الصفاء الذي يبدو عند المنتسبين إلى مدرسة المرحوم العلّامة أوائل انتسابهم، لكنّ مرض الاعتداد ونسيان وما أنا يا ربّ وما خطري هو الذي يوقعهم في السير القهقرائيّ بعد سنوات، أما الراسخون الثابتون فهم الذين يبقون على هذه الحالة حتّى لو بلغوا مقام البقاء بعد الفناء كما كان أمير المؤمنين مع رسول الله صلوات الله عليهما وآلهما، وكما كان المرحوم العلاّمة مع أستاذه السيّد الحدّاد رضوان الله عليهما.
حقيقة السير والسلوك عدم الاعتداد بالنفس
13من كان هذا؟ تلميذ سماحته! أجل تلميذ سماحته.. تلميذه السلوكيّ! فلماذا حصل ذلك؟ لأنّه عندما كان...
أيّها الرفقاء، أحبّ أن ألفت نظركم إلى أنّ هذه المطالب التي أذكرها لكم، ليست من تلقاء نفسي، فلقد كنّا نحضر في جلسات ليالي الثلاثاء التي كان يعقدها رحمه الله، وكنّا نراه ونسمعه يقول نفس هذا الكلام، كما كنّا نحضر في ليالي شهر رمضان ونستمع إلى شرحه لدعاء أبي حمزة الثمالي، وكان يذكر هذه المطالب، غاية الأمر أنّنا نوضّح المطالب أكثر أو نبسّط الحديث في بعض جوانبها ونفصّلها، وإلاّ فهذه المطالب بعينها موجودة في محاضراته، والأشرطة المسجلة، وفي مؤلّفاته، ويمكنكم أن تذهبوا وتشاهدوا ذلك بنفسكم.
التزام المرحوم العلاّمة بهذا المبدأ هو سبب وصوله
فكم كان يؤكّد على هذا الأمر! وما أَنا یا رَبِّ وما خَطرِي ـ ونظائر هذه العبارة، فلا يقتصر الأمر عليها فقط ـ فما هي مكانتي يا ربّ حتّى تحاسبني أو تعاقبني؟ فأيّ مكانة أمتلك أنا؟! وهذا هو السرّ الذي أوصله إلى ما كان يجب أن يصل إليه. فمن خلال مشاهدتنا لتعامله وتصرّفاته، لم نلاحظ أيّ تفاوت فيها بين حاله في اليوم الأول الذي تعرّف فيه على ذلك العظيم ـ أو العظماء، فقد كانوا متعدّدين ـ أقصد المرحوم السيِّد الحدّاد رضوان الله عليه، وبين حاله في الأيام الأخيرة من حياة المرحوم السيِّد الحدّاد.
وكنت برفقته في إحدى المرّات خارج مدينة مشهد ـ فلقد أمضينا أسبوعًا هناك بناءً على توصية الطبيب بضرورة الخروج من المدينة بسبب وضعه الصحيّ ـ فجرى الحديث في إحدى الليالي عن علاقته بالمرحوم السيِّد الحدّاد. فقال لي: أتعلم بأنَّ مدّة تتلمذي على يد المرحوم السيِّد الحدّاد كانت ثمانية وعشرين سنة، وهي مساوية لنفس المدّة التي تتلمذ فيها السيِّد الحدّاد على يد المرحوم القاضي؟ فلقد كانت تلك المدّة ثمانية وعشرين سنة أيضًا. فقلت: لم أكن منتبهًا إلى هذا الأمر إلى الآن. قال: لقد أمضى المرحوم السيِّد الحدّاد لدى المرحوم القاضي ثمانية وعشرين سنة بالضبط؛ وهكذا كان الأمر معي. فمعنى كلامه هو إنَّني كنت تلميذًا للسيّد الحدّاد لمدّة ثمانية وعشرين عامًا؛ ولقد كنت طوال هذه المدة صفرًا.
