
حقيقة السير والسلوك عدم الاعتداد بالنفس
تستمرّ هذه المحاضرة بشرح جملة وما أنا يا ربّ وما خطري فتبيّن أنّها مبدأ يختصر السير والسلوك، وميزان توزن به المدارس والمجالس المختلفة في عاداتها ورسومها، فالمجلس والمدرسة اللذين يجعلان للحاضرين شأنًا اعتباريًّا وكاذبًا بإرسال الدعوات ورفع الصلوات يكشفان بذلك عن زيفهما. والتزام هذا المبدأ هو السرّ في الصفاء الذي يبدو عند المنتسبين إلى مدرسة المرحوم العلّامة أوائل انتسابهم، لكنّ مرض الاعتداد ونسيان وما أنا يا ربّ وما خطري هو الذي يوقعهم في السير القهقرائيّ بعد سنوات، أما الراسخون الثابتون فهم الذين يبقون على هذه الحالة حتّى لو بلغوا مقام البقاء بعد الفناء كما كان أمير المؤمنين مع رسول الله صلوات الله عليهما وآلهما، وكما كان المرحوم العلاّمة مع أستاذه السيّد الحدّاد رضوان الله عليهما.
حقيقة السير والسلوك عدم الاعتداد بالنفس
12والحاصل، بعد اللتيّا واللتي قال له السيّد العلّامة: هل ستقبل ما أقوله لك؟ وهل ستنفّذ كلّ ما آمرك به، ولن تعترض؟ فأجاب: أجل، سأفعل دون اعتراض، فقال سماحته: حسنًا، اذهب وافعل كذا! عندما سمعت ذلك، قلت في نفسي فورًا: إنّ هذا مستحيل.. من المستحيل أن ينفّذ هذا الرجل ذلك أبدًا.
وأمّا هو فقد قال بحسب الظاهر: "حاضر، سوف أفعل ذلك"، وذلك أنّه لم يستوعب بعدُ ما الذي أصابه فالإنسان عندما يكون في حرارة الموقف فإنّه يقول: حاضر! ولكنّه عندما، يخرج من المنزل، ويبدأ بتقليب الموضوع في رأسه، ثمّ يأتي الغد وبعد الغد، سيرى أنّه: يا للعجب، ما هذه الورطة التي وقعت فيها؟! أمّا في نفس الموقف، فإنّ حرارة الموقف والحضور عند الأولياء والأعاظم تجعله يقول: نعم، ويظنّ الأمر سهلًا، وهذا يحصل كثيرًا.. أجل يحصل كثيرًا ولذا يقال: عندما يكون الإنسان في حرارة الموقف خذ منه الإقرار الذي تريده، وذلك لأنّه ما يزال تحت تأثير الموقف...
و عندما خرجنا من الغرفة، التفتُّ إلى السيّد الوالد رحمة الله عليه، وقلت له: سيّدنا، هل تتصوّر أنّه سينفّذ ما أمرتَه به؟ فقال: لا ، لا أعتقد ذلك أبدًا! قال: إنّه قد حزم أمتعته، ومضى في سبيله؛ فكيف له أن يخضع لي؟!
انظروا، إنّه يقول: "لقد حزم أمتعته"؛ يعني إنّه يمشي في الطريق المعاكس تمامًا ويمضي في زاوية تبعد ۱۸۰ درجة عن مسير السيّد الوالد! ولكن هل كان حال هذه الزاوية هكذا من البداية؟ لقد بدأت زاوية قليلة، ثم صارت تزداد وتزداد وتزداد بالتدريج حتّى دار وصار يتحرّك في الطريق المعاكس، لا أنّه فقط يبتعد عن الصراط السويّ، بل لقد صار يمشي بالعكس إلى الوراء! ومثل هذا كيف يمكن له أن يخضع لما أقوله له؟! وكيف يمكن له أن يطيع ما آمره به؟ وهذا ما حصل فعلًا فقد ذهب دون رجعة، والآن لا يُعلم في أيّ وادٍ هو. لقد انتهى أمره إلى أن قال أمورًا وكلمات في حقّ السيّد الوالد رحمة الله عليه أستحي أن أذكرها.. إنّ ما قاله مخجل واقعًا بحيث أنّني لا أستطيع أن أذكره أبدًا.
