
حقيقة السير والسلوك عدم الاعتداد بالنفس
تستمرّ هذه المحاضرة بشرح جملة وما أنا يا ربّ وما خطري فتبيّن أنّها مبدأ يختصر السير والسلوك، وميزان توزن به المدارس والمجالس المختلفة في عاداتها ورسومها، فالمجلس والمدرسة اللذين يجعلان للحاضرين شأنًا اعتباريًّا وكاذبًا بإرسال الدعوات ورفع الصلوات يكشفان بذلك عن زيفهما. والتزام هذا المبدأ هو السرّ في الصفاء الذي يبدو عند المنتسبين إلى مدرسة المرحوم العلّامة أوائل انتسابهم، لكنّ مرض الاعتداد ونسيان وما أنا يا ربّ وما خطري هو الذي يوقعهم في السير القهقرائيّ بعد سنوات، أما الراسخون الثابتون فهم الذين يبقون على هذه الحالة حتّى لو بلغوا مقام البقاء بعد الفناء كما كان أمير المؤمنين مع رسول الله صلوات الله عليهما وآلهما، وكما كان المرحوم العلاّمة مع أستاذه السيّد الحدّاد رضوان الله عليهما.
حقيقة السير والسلوك عدم الاعتداد بالنفس
11قصّة ابتعاد أحد تلامذة المرحوم العلاّمة ممّن كانوا يرون لأنفسهم مقامًا
كان هناك رجل صاحب حالات، وكان وضعه معاكسًا تمامًا لما يذكره الإمام السجّاد عليه السلام في هذه الفقرات، فقد كان يعتبر لنفسه مقامًا كبيرًا وموقعيّة خاصّة في هذه المدرسة.. مدرسة المرحوم الوالد رضوان الله عليه، ولكنّ ذلك قضى عليه في آخر الأمر، وهذا طبيعيّ؛ لأنّ الإنسان لا يمكن أن يستمرّ على هذا المنوال، بل من كان هذا حاله فإنّه سيقضي عليه عاجلًا أو آجلًا. لقد وصل الأمر بهذا الرجل إلى أنّه صار يفعل أمورًا مخالفةً للنهي الصريح للسيّد العلّامة، وكانت أعمالًا خطيرة ولا تحمد عقباها، وكان لها آثار وتبعات، وكانت هذه التبعات تقع على رأس السيّد العلاّمة، يعني هذه القضيّة كان لها خلفيّات، وكان هذا التصرّف منه غير صحيح. وقد أدّى ذلك إلى أن طرده سماحته، ثمّ بعد ذلك حاول إصلاح الأمور بطريقة ما ومن خلال توسيط أحد الأفراد، فجاء إلى السيّد الوالد، وقد كنت حاضرًا في ذلك المجلس، وخلاصة الأمر أنّ المرحوم السيّد الوالد التفت إليه بعد حوار طويل وقال له: إنّك تدّعي أنّك تفهم وتستطيع أن تشخّص، وأنت بنفسك تقول لهذا وذاك: أنا قادر على التشخيص؛ فلماذا إذن جئت إلى هنا؟! ولأيّ شيء تريد منّي أن أسمح لك بالرجوع، وأستقبلك مرّة أخرى؟! لمَ تريد ذلك؟! إنّك تدّعي أنّك تفهم وتدرك الأمور على واقعها، وأنت بنفسك تقول: لقد وصلت إلى الواقع وحقيقة الأمر؛ فإن كنت قد وصلت كما تزعم، فلأيّ شيء جئت إلى هنا؟! ألست تقول: لقد شخّصت أنّ الأمر في قضيّة فلان كذا (وكان تشخيصه خلافًا لكلام السيّد العلّامة رضوان الله عليه، فهو كان يقول: نحن شخّصنا أن الأمر كذا، وأمّا وليّ الله فهو مكلّف بالعمل بحسب الظاهر ورعاية المجتمع والمصالح المختلفة، ولذا هم يراعون ذلك في ما يقولونه، أمّا نحن فإنّنا نراعي الباطن وحقيقة الأمر!)، أجل، لقد قال له السيّد الوالد رحمة الله عليه: حسنًا، بما أنّك قادر على التشخيص، وتصرّح بذلك، فلماذا جئت إلى هنا إذن؟!
