
مقام الإمام في قبال الله عزّ وجل.
إنّ النظرة الواقعيّة إلى عالم الوجود تختلف عن نظرتنا السطحيّة والبسيطة، فرغم عظمة مقام الإمام والمعاجز التي تصدر منه، إلّا أنّه يقول: وَ مَا أَنَا يَا رَبِّ وَ مَا خَطَرِي !! فما هو السرّ في ذلك؟ وهل يقولها الإمام تواضعًا وتمثيلًا؟ أم أنّه يكشف عن حقيقة وجوديّةٍ تخفى علينا؟ تعرّض سماحة آية الله السيّد محمد محسن الطهراني في محاضرته الأولى في شرح دعاء أبي حمزة الثمالي إلى هذه الأسئلة مبيّنًا مقام الإمام عليه السلام في قبال الله عزّ وجل.
مقام الإمام في قبال الله عزّ وجل.
9لقد سعى أمير المؤمنين عليه السلام جاهدًا بكلّ قدرته وكانت جميع أمنيّته في أن يُخرج الناس من التوجّه نحوه إلى التوجّه نحو ذلك العالم، لكن ما الذي يُمكنه فعله؟ فربّ عليّ هو الذي خلق عليًّا بتلك الخصائص والصفات، وهو بهذا الشكل سواءً شئنا أم أبينا! فما الذي سيحصل للناس في هذه الحالة؟ سيصير بعضهم مُؤلّهًا لعليّ، ويذهب بعضهم لهذا الطرف، وبعضهم للطرف الآخر. فحينما تُشاهدون عليًّا يُؤدّي هذه الأعمال، لماذا لا ترون بأنّ هذه اليد ليست يده، وبأنّها ليست يدًا بشريّة، وبأنّ هذا الظهور هو ظهور لله تعالى؟ فتبقى أعيننا متعلّقة بالظاهر فقط.
قيمة الإمام والولي الكامل هي بانتسابه إلى اللـه
فالإمام السجّاد يريد أن يقول لنا هنا: يا أيّها الناس، يا أيّها الذين تعتبرون أنفسكم شيعةً لي ـ أفلا نعتبر أنفسنا كذلك؟! ـ ، ها أنا ذا أبيّن لكم الحقيقة، وأضع بين أيديكم المعرفة، وأبرز لكم الواقعيّة: فأنا هو الإمام السجّاد، وحينما حدثت تلك الواقعة في المدينة، أنا الذي قمت بحركةٍ واحدة، فاهتزّ لها جميع العالم، لكن مع ذلك، حينما أكون بين يدي الله تعالى، وأريد أن أبيّن لكم حقيقة العلاقة القائمة بين الله تعالى وخلقه، فإنّني أقول: «وَمَا أَنَا يَا رَبِّ وَمَا خَطَرِي»، وهل أنا يا إلهي أمتلك مكانةً من الأساس؟!
عندما ننظر إلى كلام الإمام السجّاد عليه السلام، نراه يقول حقًّا؛ فإذا نزعتم عن الإمام السجّاد عليه السلام إمامته وولايته وتلك الحيثيّة الربطيّة؛ أي صفة الرابطيّة والتوسّط بين الخالق والمبدأ وبين الظهور، وبين الخالق وبين المخلوق، فإنّه يصير كبقيّة الناس. فلو أنّكم نظرتم إلى الإمام السجّاد، هل يكون بوسعكم أن تشخّصوا بأنّه إمام؟ لا!
وحينما كان يأتي الناس عند المرحوم العلاّمة والمرحوم السيّد الحدّاد ويدخلون إلى منزليهما ويجلسون ويتناولون الطعام عندهما، ما هو التصوّر الذي كانوا يمتلكونه عنهما؟ وهل كان يتجاوز هذه العبارات: ما شاء الله.. ما شاء الله.. ما أعظمه من سيّد.. كم هو مؤدّب.. يا لأخلاقه الطيّبة؟! وقد كنّا نسمعهم يذكرون مثل هذه العبارات: كم أخلاقه طيّبة! كم هو مؤدّب! حيث كان يتعامل مع جميع الناس بشكلٍ جيّدٍ، فلم يعمد إلى طرد أيّ أحد، وكان يدعو الجميع، وكان باب منزله مفتوحاً أمام الجميع.. فهكذا كان، لكن، هل كان يُدرك الناس عنه أكثر من ذلك؟ بمعنى: لو جاء أحد، ووضع على رأسه عمامة السيّد الحدّاد، ولبس عباءته، وقلّده في أخلاقه وتصرّفاته، فهل كان الناس سيُفرّقون بينهما؟ لا! لن يُفرّقوا بينهما أبدًا، ولن يجدوا بينهما أيّ اختلاف!
