
مقام الإمام في قبال الله عزّ وجل.
إنّ النظرة الواقعيّة إلى عالم الوجود تختلف عن نظرتنا السطحيّة والبسيطة، فرغم عظمة مقام الإمام والمعاجز التي تصدر منه، إلّا أنّه يقول: وَ مَا أَنَا يَا رَبِّ وَ مَا خَطَرِي !! فما هو السرّ في ذلك؟ وهل يقولها الإمام تواضعًا وتمثيلًا؟ أم أنّه يكشف عن حقيقة وجوديّةٍ تخفى علينا؟ تعرّض سماحة آية الله السيّد محمد محسن الطهراني في محاضرته الأولى في شرح دعاء أبي حمزة الثمالي إلى هذه الأسئلة مبيّنًا مقام الإمام عليه السلام في قبال الله عزّ وجل.
مقام الإمام في قبال الله عزّ وجل.
14فيض اللـه وتوفيقه لا ينقطعان، ولكن هل نستغلّ الفرصة؟
إذن، وكما ذكر العظماء، علينا أن نستغلّ الفرصة مادامت أنفاسنا لم تنقطع بعد؛ لأنّه لا يوجد هناك مَن له اطّلاعٌ على المستقبل؛ وهذا الذي يُريد الإمام عليه السلام أن يقوله حينما يَعتبر جميع ما نراه منه ونسمعه عنه ونشعر به تجاهه صفرًا، بحيث ينبغي علينا أن نعتبر حقيقة هذه الأمور وأصلها ومصدرها نابعًا من مكان آخر؛ ولهذا، يُخاطب عليه السلام ربّه تعالى: «وَمَا أَنَا يَا رَبِّ [وَمَا خَطَرِي]»؛ فهذه الأمور متوجّهة إلينا نحن أيضًا، ومع أنّها متعلّقة به عليه السلام؛ لأنّه يُخاطب بها أوّلاً نفسَه، لكنّه في صدد تعليمنا نحن أيضًا، حيث يقول لنا [بلسان حاله]: أنتم شيعتي، وعليكم أن تتعلّموا منّي! وإلاّ فممّن نتعلّم؟ فعلينا أن نتعلّم من الإمام عليه السلام، ونأخذ كلامه، لنتفكّر ونتأمّل فيه، ثمّ نُطبّقه بعد ذلك، لا أن نكتفي بمجرّد الكلام فقط، بل علينا أن نفعّله. فهو يقول لنا: اعلموا بأنّ المسألة هي بهذا الشكل: فمع أنّني أنا الإمام السجّاد، وأنا إمامكم، وأنا الذي أضمّ جميع العوالم بين يديّ، وأنا الواسطة بين الله تعالى وبين الخلق، وأنا الذي بإرادتي وبولايتي تتحرّك جميع الأكوان وتتكامل وتتطوّر، إلاّ أنّني أرى نفسي وحقيقتي بالنسبة لنظام العالم (الذي يتمثّل في الوجود الإلهيّ) صفرًا؛ فإذا كنت أنا كذلك، فاحسبوا الحساب لأنفسكم أنتم! فأنا بصفتي إمام أقول: «وَمَا أَنَا يَا رَبِّ وَمَا خَطَرِي»؟! فمن أكون أنا في البين؟! وما الذي بيدي فعله في ضمن هذا البحر المتلاطم؟! وما هي مكانتي ومنزلتي؟! ونفس الشيء يصدق علينا نحن أيضًا.
ففي زمان المرحوم العلاّمة، كنّا نتصوّر في فترة من الفترات بأنّ هذه الحقيقة والواقعيّة منحصرة فقط في وجود المرحوم السيّد الحدّاد (حينما كان على قيد الحياة)، وبأنّ الارتباط لا يتحقّق إلاّ بوجوده، بحيث إذا انقطعت هذه العلاقة، سينتهي كلّ شيء، حيث كان البعض يتحدّث بمثل هذه الأمور. لكن، رأينا بعد ذلك بأنّ المسألة ليست بهذا النحو؛ إذ التحق المرحوم الحدّاد برحمة الله تعالى من دون أن يحصل أيّ شيء، لماذا؟ لأنّ ذلك الفيض مازال موجودًا؛ وما حصل هو: أنّ ذلك العبد الصالح انتقل بحسب الظاهر من هذه الحياة المادّية إلى عالم الملكوت، وأمّا ذلك الفيض، فظلّ قائمًا، غاية الأمر أنّه يتشكّل بظهورٍ ومظهرٍ آخر؛ ولهذا، رأينا بأنّ الأمر لم يتغيّر واستمرّ على ما كان عليه. بعد ذلك، وفي زمان المرحوم العلاّمة، قُلنا بأنّ انحصار المسألة [في المرحوم العلاّمة] صار واضحًا وجليًّا لا سيّما بعد رحيل السيّد الحدّاد!! والعجيب في الأمر بالنسبة لي هو أنّني حينما كنت إلى جانبه في اللحظات الأخيرة من عمره، خطر بذهني للحظةٍ واحدةٍ بأنّ كلّ شيء قد انتهى، لكن ما إن حدث لي ذلك، حتّى شعرت فجأةً في نفسي بحصول توجّه منه: ماذا يعني انتهى كلّ شيء؟! فأين هو الله إذن؟! فكأنّ هذه المسألة قد نُسيت بالكلّية، وكأنّه ليس هناك من إلهٍ ولا نبيٍّ ولا أيّ شيء! وكأنّه ليس هناك من شيء إلاّ نحن! أو ليس الله موجودًا! أو ليس الإمام موجودًا! أو ليس ذلك الارتباط قائمًا! فعلى الإنسان أن يشعر في كلّ زمانٍ بحقيقة التوحيد وظهورها في ذلك الزمان.
