
مقام الإمام في قبال الله عزّ وجل.
إنّ النظرة الواقعيّة إلى عالم الوجود تختلف عن نظرتنا السطحيّة والبسيطة، فرغم عظمة مقام الإمام والمعاجز التي تصدر منه، إلّا أنّه يقول: وَ مَا أَنَا يَا رَبِّ وَ مَا خَطَرِي !! فما هو السرّ في ذلك؟ وهل يقولها الإمام تواضعًا وتمثيلًا؟ أم أنّه يكشف عن حقيقة وجوديّةٍ تخفى علينا؟ تعرّض سماحة آية الله السيّد محمد محسن الطهراني في محاضرته الأولى في شرح دعاء أبي حمزة الثمالي إلى هذه الأسئلة مبيّنًا مقام الإمام عليه السلام في قبال الله عزّ وجل.
مقام الإمام في قبال الله عزّ وجل.
6خلق اللـه لجميع العوالم لا يضيف إلى وجوده وقدرته شيئًا
فلو انعدمت جميع هذه العوالم مرّةً واحدةً، كأن ينعدم عالم المادّة وعالم المثال وعالم الملكوت وعالم الجبروت واللاهوت، وتعود كما كانت عليه في البداية أي معدومة. ألم تكن هذه العوالم معدومة؟! فهل كان لهذه العوالم وجود عرضي إلى جانب وجود الله؟ لم يكن لها وجود، وإلاّ لأصبح ذلك شركٌ وكفرٌ. فسيصبح هنالك وجودان أصيلين وقديمين وهذا أمر واضح الفساد والبطلان. فذلك الوجود البحت والبسيط في ذلك العالم حيث لا إسم ولا رسم ولا أثر ولا علامة مميّزة له. بل كلّ ما هنالك هو ذلك الوجود الصرف للحقّ والذي ليس له أيّ ظهور في تلك المرتبة ــ قولوا في تلك المرتبة ولا تقولوا في ذلك العالم فليس من الصحيح القول في ذلك العالم ــ من اسم أو صفة أو فعل لله، وهو ما يُعبّر به بمقام الهوهويّة وعالم العماء. فهل يحصل لله نقصٌ أو ثلمة أو عجز في تلك الحالة؟ أبدًا، «كان الله ولم يكن معه شيء»۱، أي: لم يكن هنالك شيء آخر مقابل وجود الله أو معه.
فلا وجود سوى ذلك الوجود البحت والبسيط، ولا تحقّق لأيّ وجودٍ يمكن أن يُطلق عليه اسم شيءٍ أبدًا. فهل في هذا ما يدلّ على وجود نقص في الله؟ أكان الله في تلك المرتبة ناقصًا وغير كامل، مَثَله في ذلك مَثَل الجنين الذي يتكامل في بطن أمّه تدريجيّاً؟ أو مثل تلك الشجرة التي يفترض أن يصل ارتفاعها إلى أربعة أمتار، وهي الآن على ارتفاع مترين، فيبقى لها أن تنمو مترين آخرين لكي تصل إلى ذلك الارتفاع! أو مثل تلك السيّارة التي يجب أن تطوي مراحل التصنيع لكي تخرج من المصنع كسيّارة متكاملة! فهل يكون الله على هذه الشاكلة أيضًا، أم أنَّ الله كان آنذاك على ما هو عليه الآن، فلم يتغيّر منه شيء.
فأيّ شيء يُضاف إلى كيان ذلك الخطّاط الذي خطّ تلك الكلمات، فعندما يُقال: يَا له من خطّاط! فذلك ما نطلقه نحن من كلمات، وهو منسوب إلينا، ولكن هل أضاف هذا الكلام إلى ذلك الخطّاط شيئاً؟ كلّا، فلم يتغيّر وزنه البالغ ثلاثة وثمانين كيلوغرامًا وثلاثمائة غرامًا ــ إن وزنّاه بواسطة الميزان ــ من جرّاء خطّه لتلك الكلمات، فلو تمّ وزنه بذلك الميزان مجدّداً، لما اختلف وزنه ولو بمقدار الغرام الواحد زيادةً أو نقصانًا. فلن يُضاف إليه نتيجة لذلك الخط الذي كتبه شيئًا، فهو على ما كان عليه. ولم يتغيّر شيء ممّا في باطنه من إدراكٍ ومن معلوماتٍ ومن بقيّة صفاته، بل هي على حالها. فذلك التعجّب منسوبٌ إلينا، فنحن الذين نقول: يا له من خطّاط! ويَا له من خطٍّ جميلٍ! ويا له من أستاذٍ قديرٍ! وهذا ممّا لا يُضيف إليه شيئًا، فهو على حاله. فما يترشّح عنه وما يظهر منه لا يُضيف إليه شيئاً، بل يعمل ذلك على أن يجعلنا نحيط بحقيقة من الحقائق علماً، وهذا ممّا لا يزيد في وجوده أو ينقص منه؛ فكلّ ما قام به هو أنَّه أمسك بورقة وخطّ عليها كلماتٍ؛ أو أنَّه قام برسم صورةٍ على لوحةٍ.
- الفصول المهمّة في أصول الأئمّة، ج۱، ص۱٥٤.
