
مقام الإمام في قبال الله عزّ وجل.
إنّ النظرة الواقعيّة إلى عالم الوجود تختلف عن نظرتنا السطحيّة والبسيطة، فرغم عظمة مقام الإمام والمعاجز التي تصدر منه، إلّا أنّه يقول: وَ مَا أَنَا يَا رَبِّ وَ مَا خَطَرِي !! فما هو السرّ في ذلك؟ وهل يقولها الإمام تواضعًا وتمثيلًا؟ أم أنّه يكشف عن حقيقة وجوديّةٍ تخفى علينا؟ تعرّض سماحة آية الله السيّد محمد محسن الطهراني في محاضرته الأولى في شرح دعاء أبي حمزة الثمالي إلى هذه الأسئلة مبيّنًا مقام الإمام عليه السلام في قبال الله عزّ وجل.
مقام الإمام في قبال الله عزّ وجل.
5مَثَله في ذلك مَثَل ذلك الخطّاط الذي يجلس ممسكًا بقلمه في يمناه، فقبل أن ترى ما الذي سيكتبه، فأنت لا تمتلك أيّة إحاطة بما يدور في ذهنه؛ بل ولا تعلم فيما إن كان هذا الرجل خطّاطًا، أم إنَّه مجرّد إنسانٍ عاديّ كبائع للخضار مثلًا، فكلّ ما تعرفه عنه أنَّه يمسك الآن بيده قلماً وورقة، أو أنَّه يعمل في مجال ما؛ ولكنَّه وعندما يبدأ هذا الرجل بالكتابة، فستنبهر وتقول: يا للعجب! من يكون الرجل؟! وما هذا الخط الذي يخطّه؟! ثمَّ من يستطيع أن يعرف قدر عمله؟ لا يستطيع ذلك سوى الخطّاط من أمثاله، فالرجل العاديّ الذي لا معرفة له بالخط، سينظر إلى الخط ويقول: كم هو خطّ جميل! ولا أكثر؛ أمّا ذلك الخطّاط فسوف يقول: مَن يكون هذا الرجل الذي لم أتعرّف عليه حتّى اللحظة؟ انظر ماذا فعل؟! حتّى إذا ما خطَّ الرقعة التالية و..، فسيقول عندها: لقد أحدث هذا الرجل عاصفةً، وهو قد أحدث عاصفةً بالفعل.
عندما كنتُ أتعلّم الخط على يد المرحومين الميرخاني، رحمهما الله فقد كانا أخوين، وأنا أعتقد بعدم وجود نظير لهما في الخطّ سوى رجل واحد وهو الميرزا غلام رضا كلهر والذي هو أكثر مهارة منهما. أمّا أولئك الذين جاءوا حديثاً فلا يصلون إلى مستواهما. ففي ذلك الوقت والذي كان عمري فيه ثلاثةً وعشرين عامًا حيث كنت حينذاك شابًا، [يقولها ممازحًا:] أي كنت أيفع ممّا أنا عليه الآن! فلا يتبادر إلى أذهانكم بأنَّني قد أصبحت ــ لا سامح الله ــ كهلاً الآن!
وعندما كنت أعود إلى المنزل وقد أعطاني الأستاذ نموذجاً للخطّ، كان المرحوم العلاّمة يناديني ويقول: تعال أرني ماذا معك. فلا أنسى كيف إنَّه عندما كان يلقي نظرة على النموذج، كانت عيناه تتسمّر على الورقة لمدّة ربع ساعة، ثمّ يقول: إنَّ هذا الخطّ معجزة. فالخطّاط وحده هو الذي يعرف قيمة وقدر الخط الجيّد، علماً بأنَّ خطّ الوالد كان جيدًا وكان خبيرًا بالخطّ.
فتلك العوالم التي خلقها الله والتي تشاهدونها هي عبارة عن ظهور وتجلّي ذات الله، فإن كان الأمر كذلك، فتعالوا وانظروا كيف يكون العالم الأعلى منه والأعلى والأعلى ــ والأولى بنا ألّا نتكلّم عنها ــ وحتّى الوصول إلى عوالم اللاهوت والجبروت والتي لا علم لنا بما يجري فيها. فما الذي يتبادر إلى أذهانكم عندما تفكّروا بذلك؟ إنَّها التجلّيات والعظمة والقدرة غير المتناهية لله في إظهار أسمائه وصفاته. فإن اقتضت المشيئة الإلهيّة بتلاشي جميع هذه المظاهر مرّةً واحدةً، أي أن يبقى الله وحده بدون أيّ ظهور له بالمظاهر المختلفة، أي بدون أيّ ظهور لأيّ رشحٍ أو أثرٍ في هذه العوالم؛ فهل يتفاوت هذا الأمر بالنسبة لله شيئًا؟ كلّا وأبدًا.
