
مقام الإمام في قبال الله عزّ وجل.
إنّ النظرة الواقعيّة إلى عالم الوجود تختلف عن نظرتنا السطحيّة والبسيطة، فرغم عظمة مقام الإمام والمعاجز التي تصدر منه، إلّا أنّه يقول: وَ مَا أَنَا يَا رَبِّ وَ مَا خَطَرِي !! فما هو السرّ في ذلك؟ وهل يقولها الإمام تواضعًا وتمثيلًا؟ أم أنّه يكشف عن حقيقة وجوديّةٍ تخفى علينا؟ تعرّض سماحة آية الله السيّد محمد محسن الطهراني في محاضرته الأولى في شرح دعاء أبي حمزة الثمالي إلى هذه الأسئلة مبيّنًا مقام الإمام عليه السلام في قبال الله عزّ وجل.
مقام الإمام في قبال الله عزّ وجل.
2بسم اللـه الرحمن الرحيم
وصلّى اللـه على سيّدنا ونبيّنا محمّد
وعلى أهل بيته الطاهرين
واللعنة على أعدائهم أجمعين
كلّ مخلوقٍ حقيرٌ أمام عظمة اللـه حتّى الإمام المعصوم
«وَمَا أَنَا يَا رَبِّ وَمَا خَطَرِي هَبْنِي بِفَضْلِكَ وَتَصَدَّقَ عَلَيَّ بِعَفْوِكَ أَيْ رَبِّ جَلِّلْنِي بِسِتْرِكَ وَاعْفُ عَنْ تَوْبِيخِي بِكَرَمِ وَجْهِكَ فَلَوِ اطَّلَعَ الْيَوْمَ عَلَى ذَنْبِي غَيْرُكَ مَا فَعَلْتُهُ وَلَوْ خِفْتُ تَعْجِيلَ الْعُقُوبَةِ لَاجْتَنَبْتُهُ لَا لِأَنَّكَ أَهْوَنُ النَّاظِرِينَ إِلَيَّ وَأَخَفُّ الْمُطَّلِعِينَ عَلَيَ بَلْ لِأَنَّكَ يَا رَبِّ خَيْرُ السَّاتِرِينَ وَأَحْكَمُ الْحاكِمِينَ وَأَكْرَمُ الْأَكْرَمِين».۱
إلهي وربّي! ما المكانة التي أحظى بها أنا في نظامك وأمام مقامك؟! وما هو شأني ووزني لكي تعفو عنّي أو لا تعفو؟! وماذا ينقص منك إن عفوت عنّي؟ ماذا ينقص؟! وأيّ نقص يصيبك إن عفوت وتجاوزت عنّي؟!
إنّ الإمام يرى نفسه هنا قشّةً وقعت في المحيط يتقاذفها الموج يأخذ بها إلى هذا الجانب ثمّ إلى ذاك الجانب، وهي لا تملك أيّ اختيارٍ في نفسها، وليس لها إرادة لها تقابل بها تلك الأمواج... ، فالإمام يخاطب الله تعالى من هذا المقام، إنسانٌ لا قيمة له في هذا الوادي ولا أحد يراه.
فنحن في أحاديثنا نقول فيما بيننا إن خاطبنا أحد قائلًا لنا: سأقوم بتدبير أمرك، ماذا فعلت؟! فنجيبه قائلين: مَن أنت وأيّ شيء أنت وأيّ رقم تمثّل لكي أنظر إليك وأحسِب حسابك؟!
ألا نقول هذا في محاوراتنا وأحاديثنا؟! والإمام هنا يقول لله: أيّ رقمٍ أمثّل في منظومتك لكي تعفو عنّي أو لا تعفو؟! فإن أنت عفوت عنّي فماذا سيحدث؟ وأيّ نقصان سيصيبك؟!
لقد كنت قبل دقائق أتحدّث في غير هذا المجلس فقلت فيما قلت: واقعًا يعجب الإنسان لحاله في بحر الولاية اللامتناهي! وبالطبع هذا التعجّب هو بسبب جهلنا، فنحن عندما نصل إلى مدينة «مشهد» نجد عند باب الداخلين إلى المطار رواية قد كتبت على الجدار ـ وقد كتبت بالعربية التي هي أصل الرواية، كما ترجمت إلى الفارسيّة والإنكليزيّة ـ يقول فيها الإمام عليه السلام: إنّ من زارني في غربتي كان معي في درجتي في الجنّة مغفور الذنب.٢
فأمرٌ كهذا غير قابل للتصوّر أصلًا، نعم حيث إنّ مقام الولاية حقيقة سارية وجارية في جميع عوالم الوجود ومراتبه، فمعنى ذلك أنّ لي في ذلك العالم حضورًا في أيّ مرتبةٍ يكون فيها ذلك الإنسان الزائر، فهذا التعجّب ليس إلّا لأنّنا نحن ليس لنا الاطّلاع الكافي، فمرتبة الإمام غير قابلةٍ للتصوّر ولا للتوهّم ولا للتفكّر، والسعة الوجوديّة للإمام غير قابلة لأن ندركها نحن.
- مقطع من دعاء أبي حمزة الثمالي، للإمام السجّاد عليه السلام، راجع: مصباح المتهجد وسلاح المتعبّد؛ ج٢؛ ص٥۸٤.
- لعلّ سماحة السيّد يشير إلى هذا المقطع من الرواية الذي يقول فيه الإمام الرضا عليه السلام: «من زارني في غربتي كتب الله عزّ وجلّ له أجر مائة ألف شهيد، ومائة ألف صدّيق ومائة ألف حاجّ ومعتمر، ومائة ألف مجاهد، وحشر في زمرتنا، وجعل في الدرجات العلى من الجنة رفيقنا». (عيون أخبار الرضا ج۱ ص ٢۸۷؛ من لا يحضره الفقيه ج٢ ص ٥۸٥؛ وسائل الشيعة ـ آل البيت ـ ج ۱٤، ص ٥٦۸) المترجم.
