
الارتباط اليقينيّ التامّ بالوليّ ضمان بلوغ الغاية
ما هي مظاهر عدم اليقين والتنجّز في العلاقة مع الأولياء؟ وما هي آثار هذا النوع من العلاقة على مستقبل الإنسان؟ وما هو المقام الرفيع الذي يعدنا به الأولياء؟ وكيف يوصلونا إليه وما هي أحوالهم حين ذلك؟ أهمّ المحاور التي تناولها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسيني الطهرانيّ في المحاضرة الخامسة عشرة من شرح دعاء أبي حمزة الثمالي، مبيّنًا فيها دور المراقبة في الحفاظ على مجالس الأولياء، منبّهاً على بعض أحوال أهل الدنيا وكيفيّة تدرّجهم في الوصول إليها، كما بيّن أنّ ضمان النجاة منها هو في المراقبة وتسليم النفس لتربية الأولياء، مسلّطاً الضوء على معنى عصمتهم وحقيقة المقام الذي بلغوه ويبلّغون السالك إليه.
الارتباط اليقينيّ التامّ بالوليّ ضمان بلوغ الغاية
5بعض أحوال أهل الدنيا وأسبابها
صدِّقوني بأنَّهم يتلذَّذون في هذا التوغّل في المسائل الدنيويّة، وإلاّ لكانوا يتمنّون الموت؛ فمَثَلهم كمثل تلك الدودة التي لا تستطيع العيش إلاّ في المزابل والمستنقعات النَتِنة، فإن أردتَ أن تُخرجها إلى أرض مخضرّة فإنّها ستموت. فقد تعوَّد أولئك على العيش في المستنقعات وهم يأنسون بها؛ وقد تعلَّقت عقولهم وقلوبهم وأنفسهم بها. لا قدَّر الله لأحد أن يصل إلى هذا المستوى.
سأقوم بتشبيه المسألة بشكل آخر: افرض أنَّك أشعلت عود بخورٍ في غرفةٍ؛ فما إن يدخل الغرفة داخل إلاّ ويتنبّه إلى وجود رائحة البخور ويعلم بأنَّه قد تم إيقاد البخور في هذا المكان. والعكس صحيح، إلاّ أنَّنا سنأخذ الجانب الإيجابي من المسألة؛ فإن جلس هذا الرجل في الغرفة لمدة نصف ساعة أو ساعة، فسوف لن يتحسّس رائحة البخور بعد ذلك، لماذا؟ لأنَّ رائحة البخور قد ملأت جوّ الغرفة؛ فإن خرج هذا الإنسان من الغرفة لمدة عشرة دقائق، ربع ساعة أو عشرين دقيقة، ثم عاد إليها، فسيشعر عندها برائحة البخور ثانيةً.
فصدِّقوا بأنَّ الدنيا قد استولت على أولئك الغارقين فيها إلى الدرجة التي [أخرجتهم عن الطبيعة الإنسانيّة]. يحصل أحياناً أن أقرأ مقالاً في كتاب أو صحيفة أو أن أسمع خبراً، فأقول: أستجير بالله وأعوذ به، فهل يمكن أن يصل حال إنسان إلى تلك الدرجة من الانحطاط بحيث يكتب مثل هذا الكلام، أو أن يقوم بهكذا عمل؟ هل يمكن أن يصل المرء إلى هكذا درجة؟ ثم أعود وأقول: نعم يحصل ذلك، ولقد حصل بالفعل، وها هو يحصل في الوقت الحاضر! نعم، فهذا الأمر يحصل، بل ويفتخر ذلك الفاعل ويقول: أنا قمت بذلك العمل! أو أنا قلت هذا الكلام! أو أنا من كتب هذا المقال!
نحن نتعجّب من ذلك كثيراً ونقول: وهل يمكن للإنسان أن يتصوِّر بأنَّ أحداً يأتي [ليفتخر بكلّ ذلك]، ولماذا يحصل ذلك؟ [والجواب على ذلك هو:] إنَّ هذا الرجل قد ظلم نفسه، وأبعد نفسه عن المنبع الصافي، واستأنس بتلك الروائح النَتِنة إلى الحدِّ الذي نَتِنَ معه كلّ وجوده! فما الذي يمكن فعله له والحال هذه؟ فقد نَتِنَ وجوده بأكمله، وتجاوز أمره الاستئناس بشمّ الروائح النَتِنة؛ فمسألة شمّ تلك الروائح تشمل المرحلة السابقة لما وصل إليه الآن، بحيث لم تتحوّل تلك الصفة إلى أمر ذاتيّ له، بل كانت بالنسبة إليه عبارة عن غطاءٍ وأمر عرضيّ. لا قدَّر الله أن يحصل هذا الأمر لنا، ولا قدَّر الله أن يأتي ذلك اليوم الذي نكون فيه على هذه الحال وذلك بأن يستحسن الإنسان الكذب. نعم، من الممكن أن يحصل ذلك ويستحسن الإنسان الكذب ولا يرى فيه قبحاً. بل ويعُدَّ الخيانة أمانةً. ها أنتم تتعجَّبون عندما أقول هذا الكلام، وتقولون وكيف يمكن أن يحصل شيء كهذا! وهل من الممكن أن يحصل ذلك في يومٍ من الأيّام! لماذا يحصل لدينا هذا التعجّب؟
