
الوقوف بين يدي الله وقفة خالي الوفاض
تناول سماحته في هذه المحاضرة حرص المرحوم العلامة على دعوة الجميع إلى هذه المائدة، وأكد على ضرورة بيان الحقائق للناس دون إعمال الآراء الخاصة، ثم نقل قصة عن صعوبة الحساب في الآخرة، كاشفاً عن سبب ما جرى للمرحوم العلامة من مرض في العينين. وأوصى بأنه على السالك أن يحافظ على روحية شهر رمضان. ثم تعرض إلى أنه لا ينبغي للإنسان الاستفادة من الأعمال والعناوين والمقامات الاجتماعية أمام الله، بل يستفيد من حسن التوكّل عليه فقط، معتبراً أننا غير جادين في تعاملنا مع الواقع، وأن حسن التوكل يكون بالتسليم لله وعدم التوسل بأي شيء لتغيير مشيئته، فتكون علاقتنا بالله كعلاقة الطفل بأمه، ثم أكد على أن ما يريده الولي من السالك هو نفس السالك دون سائر أوصافه، كاشفاً عن ضرورة الاعتماد على رحمة الله لا على الأعمال التي نقوم بها
الوقوف بين يدي الله وقفة خالي الوفاض
18ضرورة الاعتماد على رحمة الله لا على الأعمال التي نقوم بها
لا وجود للرُّقى أو البطيخ في ذلك الطريق الذي يريد الإنسان السير فيه إلى الله؛ ولو كان معك رُقية فسوف يطرحونها منك أرضاً، وإن كان في يدك بطيخة، فسيُقال لك اطرحها أرضاً لتصبح أخفَّ وزناً، فيوجد هنالك ما تشاء، فلا حاجة بك لئن تجلب معك شيئاً من الخارج؛ ولا حاجة لك بالبالون والطائرة الورقية وما شابه ذلك من أمور.
فلا بدَّ من قطع جميع الزوائد وإلقائها خارجاً، ولا يمكن السماح بورود الأوهام والتخيلات لمن يريد السير في هذا الطريق، فإن رأيتم كثرة ورود الأوهام والتخيّلات في بيئة ما، فاعلموا أنه لا مكان لله في تلك البيئة..
أما إذا أردت الحصول على شيء ما، فسيُقال لك: نعم، قم بهذا العمل، فعليك بالصلاة، ولا بدَّ لك من أداء صلاة الليل، وقراءة القرآن والتصدَّق على الفقراء، وعليك تصحيح مسيرك، ويجب أن تكون مُراقباً لأعمالك ولنفسك، عليك القيام بكلّ هذا! ولكن عليك أن تعلم بأنَّك إذا ما أقمت وزناً لأعمالك هذه ولو بمقدار رأس إبرة فسوف تكون خاسراً. نعم ستخسر في ذات الوقت الذي تؤدِّي به تلك الأعمال.
تکیه بر تقوا و دانش در طریقت کافریست *** راهرو گر صد هنر دارد توکل بایدش۱ (يقول: يعد الاتكال على التقوى والعلم في السلوك كفراً، فعلى السالك أن يلزم التوكّل على الله وإن كان يتقن مائة فنٍّ وصنعة)
أو حسب بيت الشعر الآخر للشيخ حافظ الشيرازي:
گرچه وصالش نه به کوشش دهند *** هر قدر ای دل که توانی بکوش٢ (يقول: إن وصاله وإن كان لا يُنال بالجدِّ والمثابرة، إلاّ أنَّ عليك أيها القلب أن تسعى جهد إمكانك)
فإن أردت أن تُقيم لعملك وزناً، فسوف يُقال لك: ولِم تأخذه بالحسبان؟ فعلى الإنسان أن يعمل، ويقوم بإداء الواجبات المكلّف بها، ولكن عليه ألاّ يحسب لها حساباً.
فهنالك حالتان: فمرةً يقول الإنسان: إلهي ها قد صليت صلاة الليل لأجلك، فكن يقظاً! لا تسجّلها بحساب جاري؛ فأنا الذي صليّتها، أنا الساكن في الزقاق الفلاني، المنزل رقم كذا، وفي الغرفة كذا. ففي هذه الحال يقول له الله: إليك عنِّي، فمن الذي أيقظك لصلاة الليل؟ ومرة أخرى ترى الإنسان يقول: إلهي إن كنتُ قد صليتُ صلاة الليل، فأنتَ الذي وفقتني لها؛ كما أنَّك أنت الذي وفقتني لقراءة القرآن، فلو لم تشأ ذلك، لما تمكّنت منه. فعندها سيقول له الله: أنا أقبل منك الأسلوب الثاني، أمّا الأول فلا.
- *** ديوان حافظ، الغزل ٢۷٦.
- *** ديوان حافظ، الغزل ٢۸٤.
