
الوقوف بين يدي الله وقفة خالي الوفاض
تناول سماحته في هذه المحاضرة حرص المرحوم العلامة على دعوة الجميع إلى هذه المائدة، وأكد على ضرورة بيان الحقائق للناس دون إعمال الآراء الخاصة، ثم نقل قصة عن صعوبة الحساب في الآخرة، كاشفاً عن سبب ما جرى للمرحوم العلامة من مرض في العينين. وأوصى بأنه على السالك أن يحافظ على روحية شهر رمضان. ثم تعرض إلى أنه لا ينبغي للإنسان الاستفادة من الأعمال والعناوين والمقامات الاجتماعية أمام الله، بل يستفيد من حسن التوكّل عليه فقط، معتبراً أننا غير جادين في تعاملنا مع الواقع، وأن حسن التوكل يكون بالتسليم لله وعدم التوسل بأي شيء لتغيير مشيئته، فتكون علاقتنا بالله كعلاقة الطفل بأمه، ثم أكد على أن ما يريده الولي من السالك هو نفس السالك دون سائر أوصافه، كاشفاً عن ضرورة الاعتماد على رحمة الله لا على الأعمال التي نقوم بها
الوقوف بين يدي الله وقفة خالي الوفاض
16هنا يقول الخروف بلسان الحال: لقد ذبحتموني ووزّعتم لحمي بين الآخرين وأعطيتم رأسي لشخص وقوائمي لآخر وليَّتي لثالث، وهكذا الأمر بالنسبة لقلبي وبقيّة أجزاء بدني، كما وضع القصاب جلدي على ظهره وذهب به. فماذا عنِّي أنا؟ أين أصبح مصيري في هذا المجال؟ فأنت قد قطعت رأسي وأخذت قلبي، وقمت بتقسيم لحمي بين الآخرين، وأنت أخذت جلدي. لماذا لم يسأل أحدٌ عنِّي أنا؟ فما أخذه البعض أو أُرسل إليه هو أجزاء بدني فقط، لا أنا. فهذا أخذ اليد وذلك أخذ الرجل والآخر الرقبة وذاك الظهر، فقد قمتم بتقسيم كافة أجزاء بدني وأخذها. فعندما ينظر الإنسان إلى المكان لا يرى من الخروف شيئاً. وسيقول الخروف هنا: وماذا عنِّي أنا؟ ما هو مصيري؟
الجواب هو: ليس لأحدٍ إمكانية الوصول إليك. نعم استطعنا التصرّف برأسك؛ حيث قمنا بفصله عن جسمك، ورقبتك حيث قطعناها وأرسلناها إلى أحد الجيران، وفخذك وكتفك وبقيّة أجزاء بدنك، حيث قمنا بتقطيعها وإرسالها إلى الأقارب والإخوان، وكذلك قلبك وكبدك حيث أرسلناها إلى فلان، وأعطينا جلدك إلى القصاب وذهب به. أمّا أنت فلا شأن لأحدٍ بك حتّى تأتي الآن لتقاضينا عن نفسك. إنَّ ما يهتم به الناس هو ليس أنت، بل أجزاء بدنك؛ ولقد قاموا بذبحك من أجل أعضاء بدنك؛ فقاموا بسلخ جلدك واستخراج قلبك وكبدك، بل وحتّى أمعائك.. حيث كانوا يستفيدون من الأمعاء في السابق لخياطة بعض الأشياء بها، أمّا الآن فلا أعلم إن كانوا يفعلون ذلك أم لا. فما فعلوه بك هذا اليوم الذي هو يوم عيد الأضحى كان بسبب أعضاء جسمك، فلا يوجد من يهتمّ بأمرك، إذ لا يستطيع أحد النيل منك.
ثم أردف المرحوم العلاّمة قائلاً: وأنا لا أريد منك سوى نفسك، فليس لي شغل بعلمك، فمهما بلغ هذا العلم، فهو لك؛ ولا بمالك، فلا علاقة لي بما لديك من مال وإن بلغ ما بلغ، فلو أنَّ جميع ما في الأرض عبارة عن أحجار ماسٍ وكانت تحت تصرّفك، فلا يعنيني بشيء أبداً. ولا علاقة لي بمكانتك الاجتماعية، فلو أنَّ الآخرين يمجِّدونك ويسلّمون عليك وينحنون لك احتراماً، ويقعون على أرجلك يقبّلونها وما شابه ذلك، فلا يعنيني من ذلك شيء. كما لا شأن لي بمن يتبعك والمعجبين بك. أنا لا شأن لي بكلّ ذلك. أواضح ذلك؟ إنَّ ما يعنيني هو أنت وحدك.
