
الوقوف بين يدي الله وقفة خالي الوفاض
تناول سماحته في هذه المحاضرة حرص المرحوم العلامة على دعوة الجميع إلى هذه المائدة، وأكد على ضرورة بيان الحقائق للناس دون إعمال الآراء الخاصة، ثم نقل قصة عن صعوبة الحساب في الآخرة، كاشفاً عن سبب ما جرى للمرحوم العلامة من مرض في العينين. وأوصى بأنه على السالك أن يحافظ على روحية شهر رمضان. ثم تعرض إلى أنه لا ينبغي للإنسان الاستفادة من الأعمال والعناوين والمقامات الاجتماعية أمام الله، بل يستفيد من حسن التوكّل عليه فقط، معتبراً أننا غير جادين في تعاملنا مع الواقع، وأن حسن التوكل يكون بالتسليم لله وعدم التوسل بأي شيء لتغيير مشيئته، فتكون علاقتنا بالله كعلاقة الطفل بأمه، ثم أكد على أن ما يريده الولي من السالك هو نفس السالك دون سائر أوصافه، كاشفاً عن ضرورة الاعتماد على رحمة الله لا على الأعمال التي نقوم بها
الوقوف بين يدي الله وقفة خالي الوفاض
14وخلاصة الأمر فقد ترك هذا الرجل البرنامج الطبي بالكامل، وانقلب عليه وسار بطريق آخر تماماً. وبعد شهرين مات هذا الشخص. وكنت قد قلت له لا تسلك هذا الطريق، فتقدير الله ومشيئته تقتضي السير بموجب ذلك البرنامج؛ ولعله كان سيبقى حياً حتّى الآن ولسنوات أخرى. أتلاحظون؟
لماذا يحصل كلّ ذلك؟ فإن كان البرنامج الذي يسير بموجبه الإنسان عبارة عن تكليف إلهي، فالله هو المتكفّل ببيان الطريق والأمور للإنسان؛ أمّا إذا أراد الإنسان أن يسبق المشيئة الإلهية، فسيقع في ورطة، وسيفقد ما حصل عليه لحد الآن، وستصبح القضية بشكل آخر.
ينبغي أن تكون علاقتنا بالله كعلاقة الطفل بأمه
فعندما يتعامل الله مع شخص ما، فهو لا ينظر إلى علمه ولا نسبه ولا مكانته الاجتماعية ولا عدد أصدقائه، ولا إلى ما يمتلك من أموال ولا ما له من شوكة وجاه، بل يتعامل معه بحد نفسه، وليس له شأن بأيّ أمر آخر. فيجب أن تتحقق تلك الأمور في السالك، فعندما يخاطب الله عليه ألاّ ينظر إلى ما قدَّمت يداه من أعمال البِر، فلا يحسب حساباً لما قام به من هداية أحد من الناس، أو ما قدّمه من خدمة للآخرين؛ بل عليه أن ينظر إلى فقره ومسكنته وأن يرى نفسه صفراً مقابل الله، ولا يرى لنفسه ميزة سوى صِرف وجوده، وهو ما كان يمتلكه عند ولادته؛ كيف أنَّه في ذلك الوقت لم يكن يملك شيئاً من علم أو مال أو ممتلكات أو رئاسة أو قوة. فلم يكن يمتلك شيئاً، بل كان طفلاً، طفلاً بحاجة إلى حليب أمه، لا شيء سوى ذلك. فصِرف الوجود هو عبارة عن تلك الكيفية التي تتمثَّل في علاقة الطفل بأمه. فعندما يريد الطفل الحليب من أمّه، لم يكن يقول لها: أنا ابن سينا؛ وإلاّ لقالت له: أنت لا تستطيع تميِّيز يدك اليمنى من اليسرى! فالطفل ذو الشهر أو العشرة أيام من العمر لا يفهم شيئاً من الأساس. وإن قال: أنا أمتلك فلان مقدار من الأموال، لقالت له: وأين هي أموالك؟ فأنت لا تمتلك حتّى لفافتك التي يجب أن أوفرها لك بنفسي! فأين هي أموالك؟ وإن قال: لي كذا مكانة اجتماعية! لقالت له: وهل تعلم متى ولِدتَ؟ فأيّ مكانة تلك التي تتحدّث عنها؟
