
الوقوف بين يدي الله وقفة خالي الوفاض
تناول سماحته في هذه المحاضرة حرص المرحوم العلامة على دعوة الجميع إلى هذه المائدة، وأكد على ضرورة بيان الحقائق للناس دون إعمال الآراء الخاصة، ثم نقل قصة عن صعوبة الحساب في الآخرة، كاشفاً عن سبب ما جرى للمرحوم العلامة من مرض في العينين. وأوصى بأنه على السالك أن يحافظ على روحية شهر رمضان. ثم تعرض إلى أنه لا ينبغي للإنسان الاستفادة من الأعمال والعناوين والمقامات الاجتماعية أمام الله، بل يستفيد من حسن التوكّل عليه فقط، معتبراً أننا غير جادين في تعاملنا مع الواقع، وأن حسن التوكل يكون بالتسليم لله وعدم التوسل بأي شيء لتغيير مشيئته، فتكون علاقتنا بالله كعلاقة الطفل بأمه، ثم أكد على أن ما يريده الولي من السالك هو نفس السالك دون سائر أوصافه، كاشفاً عن ضرورة الاعتماد على رحمة الله لا على الأعمال التي نقوم بها
الوقوف بين يدي الله وقفة خالي الوفاض
12ومثال ذلك ما نقوله للآخرين على المنبر؛ من أنَّ الانتقال من هذه الدنيا إلى الآخرة هو بمثابة تبديل اللباس، فسنتنعّم بنعم الله ونواجه عفوه ورحمته. حتّى إذا ما أصاب أحدنا صداع في رأسه ووجد أنَّ هذا الصداع لا يزول بالمسكّنات، فيراجع الطبيب، ويتبيّن أنَّ سببه وجود ورم في رأسه، عندئذٍ ترى وجهه يصفرّ في تلك اللحظة ويصبح بلون الكركم.
يا عزيزي! ما الذي حصل لك؟! ألم تكن تُخبر الناس بتفاهة الدنيا! ثمّ إنَّه قد تُجرى لك عملية جراحية ويُستأصل هذا الورم وتشفى، أو قد تبقى على قيد الحياة لأربع عشر أو خمس عشر سنة أخرى. فترى الشخص ـ وبمجرد إخباره بوجود ورم في رأسه ـ يرتفع صوته بالويل؛ حتّى أنَّ البعض منهم قد يخرَّ مغشيّاً عليه.
لقد ابتلي أحد الأشخاص المعمّمين المعروفين بنفس هذا البلاء، فأخبره الأطباء بأنَّه سيستمر بالحياة لمدة ستة أشهر أخرى، فما كان من هذا الشخص إلا أن مات بعد شهر واحد؛ لما أصابه من الحزن والغم بعد علمه بمرضه بالسرطان في رأسه، فعجّل بموته خمسة أشهر عن الموعد الذي توقعه الأطباء. فانظر كيف تصرّف هذا الشخص! لقد أغلق عليه باب داره، فلا يفتح الباب لمن يطرقه عليه؛ وكان يُقال له: افتح الباب حتّى نُسلِّم عليك ونسأل عن صحتك! لقد انتهى الأمر بالنسبة له. من هنا يظهر بوضوح زيف وعدم واقعية ما كان يُلقيه هذا الشخص؛ لقد كان كلامه ذلك موجّهاً إلى الآخرين، ولم يكن مؤمناً بحقيقة ما يقول. فلا يصل إلى واقعيّة الأمر حتّى يحصل له ذلك شخصيّاً.
وهذا ما كنَّا نراه في تصرفات المرحوم الوالد؛ حيث كنّا نرى كيف كان يضحك من أعماق قلبه غير مبالٍ، وهو يعلم بأنَّه سيموت بعد سنتين أو ثلاثة. فكان يقول: ما أحلى هذا الأمر يا روحي، فلقد أُمهلت مهلة ليست بالطويلة ـ لم يقل لي المدة بالطبع ـ قال: إنَّ المهلة التي مُنحت لي ليست طويلة، فلم يبق الكثير منها، أتلاحظون ذلك؟ ولقد كان يقول لي في أيامه الأخيرة: عليّ أن أرحل، وعلى الآخرين أن يواصلوا المسيرة، عليكم أنتم أن تقوموا بذلك، أما أنا فأذهب؛ لقد أنجزت الواجبات الملقاة على عاتقي، ولا يجب عليَّ البقاء هنا أكثر من هذا. بل كان وكأنَّه قد أخذ بالعدّ العكسي للأيّام؛ هكذا عشرة، تسعة، ثمانية،...، اثنان، واحد. فكان قد بدأ بالعدّ العكسي [وهو يقول] متى ستنتهي؟ لماذا لا تنتهي هذه السنتين أو الثلاثة؟ لماذا يمتدّ طول هذه الأيّام؟
