
أهمّية اليقين في السير والسلوك
ما هو دور اليقين في عمليّة السلوك؟ وهل يختلف يقين السلاك بالطريق، أم لا؟ وهل ينبغي على السالك أن يفتخر بتعرّفه على الطريق؟ وهل كلّ من عرف الحقّ عمل به؟ وكيف كان تعامل الأئمّة مع أعدائهم سببًا في يقين هؤلاء الأعداء بحقّانيتهم عليهم السلام؟ وهل ينحصر السلوك بالسلوك الاصطلاحي؟ هي أسئلة سعى سماحة السيّد قدس سره تعالى الإجابة عنها في هذه المحاضرة، علاوةً على أسئلة ومواضيع أخرى.
أهمّية اليقين في السير والسلوك
4كلّما كان فهم الإنسان لمسألة السلوك أكثر كلّما كان اهتمامه بنفسه أكبر
نعم، ما لم يصل الإنسان إلى الحقّ، عليه أن لا يجزم بسرعة، وهذا صحيح! فالأشخاص الذين يجزمون سريعًا ينسحبون سريعًا أيضًا؛ فبمقدار ما يأتون بسرعة إلى الإمام، يرحلون عنه بسرعة أيضًا، وأمّا الشخص الذي يبقى ثابتًا، فهو الذي فهم المطالب ونفذت فيه بشكل كامل واستقرّت في قلبه؛ فهؤلاء ليسوا أصحاب كلام فارغ وضوضاء، بل عادةً ما يجلسون جانبًا ولا يسمع لهم صوت، ولا يريدون أن يعرفهم أحد ولا يسعون وراء التظاهر والظهور؛ فهم يعيشون في أجوائهم الخاصّة، اللهمّ إلاّ أن يكون لديهم تكليف بغير ذلك، لكنّهم هكذا يكونون عادة، لا أنّهم يطرحون أنفسهم وغير ذلك..
لقد كنت في محضر المرحوم العلاّمة ومحضر أساتذته لسنوات عديدة؛ نعم، في حياة المرحوم الأنصاري، كنت صغيرًا، وقد شاهدته مرّتين أو ثلاث مرّات فقط في أيّام طفولتي عندما كنت أبلغ أربع أو خمس سنوات من العمر، بخلاف السيّد الحدّاد، حيث كنت مطّلعًا على أوضاعه وتردّداته وعلى الأشخاص المرتبطين به؛ والحاصل، أنّنا في هذه المدّة التي خضنا فيها تجربة الحضور عند العظماء، كانت المسألة تبتني على أنّه: كلمّا كان الإنسان لديه إدراك وفهم أكثر لمسألة السلوك، كلّما كان كتمانه أكثر وتظاهره أقلّ وظهوره بين الناس أبْهَت؛ فتراه ثانيًا عطفَه مهتمًّا بنفسه ومبتعدًا عن الالتفات لأعمال الآخرين.
واهًا لنا ثمّ واهًا واهًا!! وكأنّ التكليف الذي أُسند إلينا هو أن ننظر إلى الذي يفعله ذاك الجالس بجانبنا، لا أن نلتفت إلى أنفسنا وما الذي نفعله نحن وكيف هي أعمالنا! وكأنّنا موظّفون ونأخذ راتبًا شهريًّا لننظر إلى ذاك الجالس هناك ماذا يفعل، وإلى هذا الجالس هنا أين ذهب صباحًا وإلى منزل من دخل ومع من تحدّث وبمن اتّصل؟! وذاك الذي هناك مع من يتحدّث! فلأذهب إليه وأسأله: ماذا قال لك السيّد؟ وما كانت مسألتك؟ وأمثال ذلك.
إنّ مثل هؤلاء الأشخاص لن يصلوا إلى أيّ مكان! فأولئك الذين وصلوا، لم يكن لديهم أيّ شُغل بالآخرين، بل كان همّهم منصبًّا على أنفسهم، وكانوا يهتمّون بأنفسهم فقط، وبما يرتبط بطريقهم، وبماذا عليهم أن يفعلوا وحسب؛ فلا تجدهم يسألون عن ذاك الجالس بجانبهم والجالس أمامهم والموجود خلفهم، وعن من يأتي ومن يذهب، وعن هذا الذي أتى من أين أتى؟ وذاك الذي ذهب لماذا ذهب؟ فليذهب.. إلى جهنّم ذهب! فما دخلك أنت بعلّة ذهابه أو رجوعه؟! فكلّ شخص له طريقه ومسيره! فما دخلنا نحن بذلك؟! وبجدّ أقول لكم ذلك، فهذه مسألة مهمّة!
