
أهمّية اليقين في السير والسلوك
ما هو دور اليقين في عمليّة السلوك؟ وهل يختلف يقين السلاك بالطريق، أم لا؟ وهل ينبغي على السالك أن يفتخر بتعرّفه على الطريق؟ وهل كلّ من عرف الحقّ عمل به؟ وكيف كان تعامل الأئمّة مع أعدائهم سببًا في يقين هؤلاء الأعداء بحقّانيتهم عليهم السلام؟ وهل ينحصر السلوك بالسلوك الاصطلاحي؟ هي أسئلة سعى سماحة السيّد قدس سره تعالى الإجابة عنها في هذه المحاضرة، علاوةً على أسئلة ومواضيع أخرى.
أهمّية اليقين في السير والسلوك
2أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم محمّد
وعلى آله الطيبين الطاهرين
واللعنة على أعدائهم أجمعين
«وَأَنَا يَا سَيِّدِي عَائِذٌ بِفَضْلِكَ هَارِبٌ مِنْكَ إِلَيْكَ متنجِّزٌ مَا وَعَدْتَ مِنَ الصَّفْحِ عَمَّنْ أَحْسَنَ بك ظنًّا»
يا سيّدي ومولاي، أنا عائذ بفضلك وكرمك، وهارب منك إليك، ولي يقين بما وعدت به من العفو عن الخطايا والزلاّت بالنسبة للأشخاص الذين لديهم حسن ظنّ بك.. وأنا ثابت عليه، وقد بنيت أساس أموري على ذاك الوعد.
اختلاف يقين الأشخاص بالطريق بحسب اختلاف سعتهم الوجوديّة
في هذه الأيّام، تحدّثنا للرفقاء عن مسألة التنجّز، وقلنا بأنّ هذه الفقرة من دعاء الإمام السجّاد تعتبر بشكل عامّ برنامجًا سلوكيًّا للإنسان، والسلوك من دون هذه الفقرة غير ممكن؛ إذ ينبغي أن يكون في السلوك يقين واعتقاد.. نعم، يبقى أنّ اليقين التامّ الذي لا يقبل التزلزل ـ بأيّ وجه وفي أيّ زمان ـ لا يحصل عليه الإنسان إلاّ في المراتب العليا؛ فذلك اليقين الذي حصل عليه العظماء الذين طووا هذا الطريق وسلكوا هذا السبيل وبذلوا مهجهم فيه وخاضوا التجارب مختلف تمامًا عمّا لدى أمثالنا نحن الذين لا زلنا نتخبّط في مدارس العظماء والأكابر؛ مثل ذاك الشخص الذي تحدّث عنه المرحوم العلاّمة دون أن يذكر اسمه، لكنّنا نعرف من هو، حيث كان من العظماء الذين صار لديهم مجلس -فيما بعد وتلامذة في إحدى المدن، وكان ـ بحسب زعمه ـ يعمل على تربية الناس، وقد توفّي فعلاً؛ فاذكروا موتاكم بالخير.۱
حيث نجده يقول للمرحوم السيّد القاضي بعد أن حضر عنده لمدّة طويلة: هل المطالب التي تذكرها هي مطالب حتميّة ويقينيّة وواقعيّة؟! سلمت يداك!! بعد هذه السنوات المديدة، تأتي لتسأل هذا السؤال! حسنًا، يبقى أنّه غير مقصّر في ذلك؛ لأنّ سعته الوجوديّة هي بهذا المقدار.. فكلّ شخص له درجته الخاصّة من الفهم والإدراك والتصديق، وليس جميع الأشخاص سواسيّة في ذلك؛ إذ بعضهم يأخذ الكلام ـ بحسب تعبير العلامة ـ من الهواء! فما إن يلفظ حرف الفاء حتّى يكون قد فهم بأنّ المراد هو "فرح آباد"، ولا يكون بحاجة إلى إكمال الكلمة، بل يفهم المراد سريعًا. وبعضهم الآخر ينبغي أن تُحدّثه بالمسألة ليدخل الكلام إلى عقله، وتُعيد له الحديث مرارًا وتكرارًا إلى أن تجده بعد خمسين جلسة يقول: الآن فقط صرت أفهم بعض الأشياء! وبعضهم حتّى بعد خمسين جلسة يبقون متجمّدين كالحائط، من دون أن يختلفون عنه أبدًا!
- نقل المرحوم المحدّث الأرموي هذه الرواية عن الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم في كتاب حياة القاضي نور الله الشوشتري (فيض الإله، ص ٥۰).
