
أهمّية اليقين في السير والسلوك
ما هو دور اليقين في عمليّة السلوك؟ وهل يختلف يقين السلاك بالطريق، أم لا؟ وهل ينبغي على السالك أن يفتخر بتعرّفه على الطريق؟ وهل كلّ من عرف الحقّ عمل به؟ وكيف كان تعامل الأئمّة مع أعدائهم سببًا في يقين هؤلاء الأعداء بحقّانيتهم عليهم السلام؟ وهل ينحصر السلوك بالسلوك الاصطلاحي؟ هي أسئلة سعى سماحة السيّد قدس سره تعالى الإجابة عنها في هذه المحاضرة، علاوةً على أسئلة ومواضيع أخرى.
أهمّية اليقين في السير والسلوك
13وتجده لا يقدر على الغشّ؛ يقول: هذا قيمته كذا وهذا كذا، ولكن برأيي أنّ الأفضل لك تأخذ هذا! فيُصارح المشتري، ولا يقول في نفسه: لندع هذا يُباع أوّلاً، فهو قد فسُد وتعفّن! فيقول للمشتري: هذا النوع [أي النوع الرديء]أفضل، صدّقني هذا أفضل من ذاك، وقد لا تجد مثله أبدًا! فالبضاعة المتعفّنة لا يشتريها أحد؛ ولهذا فإنّه يقول مع نفسه: فلنبع هذه البضاعة المتعفّنة أوّلاً، وأمّا البضاعة الأخرى، فلا زالت تُلاقي إقبالاً! بل نجده يقول بكلّ صراحة: انظر يا عزيزي، فهذه قد تعفّنت، بينما الأخرى لا تزال طازجة والناس يرغبون بها وأنا أربح فيها كثيرًا، بينما أربح في الأخرى قليلاً؛ وأنا أخبرك بكلّ ما عندي، فاختر أنت بنفسك أيّها تشاء! فمن يفعل هذا؟! لو كان النبيّ موجودًا، لقام بنفس هذا العمل!
في إحدى ليالي الثلاثاء، كان المرحوم العلاّمة يتحدّث عن مثل هذه المسائل، وعن طبيعة المعاملات في الإسلام، وما هي المعاملات وفقًا للمباني الدينيّة والتوحيديّة؛ وعندما انتهى كلامه إلى هذا الموضع، نظر إليّ ـ فجأة ـ أحد الأصدقاء كان يجلس بجانبي ـ وهو لا يزال على قيد الحياة ـ وقال لي: "أنعم بنا وأكرم! انظر إلينا، فكأنّنا طيلة هذه الخمسة عشر أو الأربعة عشر سنة لم ندخل إلى البستان أساسًا!" والواقع هو هذا! فلو أردت أن تصل إلى ذلك الهدف المتعالي، فتفضّل على بركة الله؛ هذه هي الشروط، وأمّا إذا أردت مراتب أخرى، فلا بأس، فلكلّ مرتبة مقتضياتها الخاصّة وشروطها الخاصّة. فإن أردت هذا المقدار، فعليك كذا، وإن أردت كذا، فعليك كذا، وإن أردت الوصول إلى السقف [فعليك كذا]وأما إن أردت العرش فذاك شيء آخر؛ فإذا أردت الوصول إلى العرش، عليك أن تنظر إلى ما فعل أمير المؤمنين وتفعل مثله! فعليك دائمًا أن تكون واضحًا ومستقيمًا، ولا تخون ولا تخدع، وأن لا تضع في بالك غير الصدق والصفاء.
فيأتي النبيّ ويجعل منزل أبي سفيان مأمنًا للناس ويعتبره مكانًا آمنًا.
وأمّا معاوية، فيأتي ويعقد صلحًا مع الإمام الحسن على أساس أنّ: الحكومة لي ما دمت حيًا، فإن متّ، فأنت الحاكم لا أولادي، ولا يحقّ لأحد أن يُلاحق أحدًا من الموالين لأبيك علي... فيأتي ويُمضي على جميع هذه الأمور، لكن ما إن يُوقّع الإمام الحسن عليها حتّى يأتي ويقف في مسجد الكوفة ويقول علنًا: كلّ ما تصالحنا عليه أضعه تحت قدميّ! لقد وصلت إلى السلطة، وسأفعل ما يحلو لي! فتلك الحكومة هي حكومة النبيّ، وهذه الحكومة هي حكومة أهل الدنيا؛ فحكومة أهل الدنيا هي هكذا: ما إن يعبر الحمار من على الجسر حتّى ينتهي الأمر!۱فينسون كلّ ما قالوه وتعهّدوا به ويضعونه تحت أقدامهم، ويقولون: نحن تعهّدنا في ذلك الوقت، وأمّا الآن، فالظروف اختلفت! يا للعجب! فلماذا لم تفكّروا في ذلك الوقت بأنّ الظروف قد تتغيّر، بل قلتم: سوف نبقى دائمًا كذلك! ففي ذلك الوقت، كانت المصلحة هذه، والآن المصلحة شيء آخر؛ حسنًا، فالجميع يقول هكذا، وكلّ شخص يقول شيئًا في يوم، ثمّ يقول غيره في يوم آخر! فبما أنّ الناس كانوا يمتلكون الفهم والاطّلاع في ذاك الوقت، كان من الجيّد، لو أنّ الكلام كان سيتغيّر طبقًا للظروف، أن تقول لهم: يا سادتي، إنّ المسألة فعلاً هي بهذا الشكل، لكن من الممكن بعد مرور عدّة سنوات أن تنقلب إلى الضدّ! فما الذي كان سيحصل؟!
- كناية عن نسيان التعهّدات بعد تحقيق المآرب. المترجم
