
السالك بين عدالة الله وتفضّله
ما هو دور الفضل الإلهيّ في حركة السالك إلى الله؟ وماذا لو عاملنا الله بعدله وخصوصًا في الذنوب الاجتماعيّة؟ ومتى وكيف يعاملنا الله تعالى بعدله؟ وما هي النوايا والأخلاق التي يجب أن تحكم علاقات الناس على اختلاف أديانهم ومذاهبهم؟ وهل روح التنافس التي تسيطر على مباريات كرة القدم سواء بين الشعوب الإسلامية أو غيرها هي التي يريدها الإسلام في نظرته التوحيديّة؟! وكيف نوفّق بين الاتكاء على فضل الله تعالى وبين ضرورة القيام بالتكاليف؟ محاور تناولها سماحة السيد محمّد محسن الطهراني في محاضرته الثانية عشرة من محاضرات شرح دعاء أبي حمزة بالإضافة إلى كثير من الفروع المهمّة والشواهد والقصص من سيرة أهل البيت عليهم السلام وأتباعهم من العرفاء بالله.
السالك بين عدالة الله وتفضّله
14كان أولئك من أصحاب الأخلاق، وكانوا يقومون بكسر أنفسهم أمام الآخرين. فكم لدينا في مجتمعنا من هذه النماذج ممن يتعامل بهذا الأسلوب الذي يتعامل به العظماء في علاقاتهم الاجتماعية وفي الرياضة وغيرها؟ كم لدينا منهم؟ وكم يوجد من الأشخاص الآخرين من خارج هذا المجتمع ممن يكون عملهم متطابقًا مع عمل الماضين، وممن يُشاهد الناس أعمالهم؟ ماذا أقول أكثر من هذا، كم من هؤلاء نعرف؟
إنَّ مجال تطبيق الأخلاق التوحيديّة والإسلاميّة والعرفانيّة وأخلاق أولياء الله هو مجال واسع وشامل، ولا يقتصر على مورد محدد مثل آداب الطعام وما شاكل ذلك، بل يشمل كافة العلاقات في المجالات الاجتماعية وفي مسائل الجوار وفي الرياضة وفي العلاقات السياسية وغيرها. ففي كل من هذه المجالات قواعد وبرامج تقتضي أن يتواضع الإنسان ويكسر نفسه في بعض الظروف، بينما تحتّم عليه في ظروف أخرى ألاّ يفعل ذلك. أتلاحظون؟ فهذا هو المنهج الذي يجب أن يتّبعه الإنسان، وهو المنهج الذي يرتضيه الله.
والغرض من كل كلامنا أنّنا نطلب من الله أن يعاملنا بفضله لا بعدله، وهكذا ومن مطاوي ما تقدّم ندرك أنَّ أحد مبادئ السلوك أن يتّكئ الإنسان على فضل الله.
كيف نوفّق بين الاتكاء على فضل الله وبين ضرورة العمل؟
ولكن أرسل بعض الأصدقاء إليّ رسالة يقول فيها: أنتم تقولون بأنَّ على الإنسان ألاّ يأخذ عمله بنظر الاعتبار؛ في الوقت الذي نكون فيه عاقدين الأمل على أعمالنا التي نقوم بها، وها أنتم تهدمون كلّ ما عوّلنا عليه، وتقولون بأنَّ على الإنسان أن ينظر إلى فضل الله وأن يكون لديه اعتقاد ويقين بذلك وما شابه ذلك من أمور!!
عليكم التدقيق في هذا الأمر وهو أن الإنسان إذا اقتنع بأنَّ عليه القيام بهذا العمل الذي أُمر بالقيام به، فمن المعلوم هنا بأنَّ الله هو الذي كلَّفه بالقيام به؛ وعليه أن يُركّز تفكيره في ذلك. أنا لا أنفي دور العمل في مُساعدة الإنسان على الارتقاء، بل ما كنت أقوله هو عدم صحة وصواب الاعتماد على هذا العمل؛ فالله هو الذي أعطاك التوفيق للقيام به، فلماذا تنسب هذا التوفيق إلى نفسك؟ لم أقل لا ينبغي العمل، فإنه لا بدَّ من العمل، غير أنَّ عليك ألاّ تقيم لعملك هذا وزنًا وتتباهى به أمام الله، إذ إنَّ الله سيقطع عليك الطريق ويقول لك: ومن أعطاك القابلية على النهوض للصلاة؟ ومن مكّنك من الاستيقاظ لكي تنال هذا التوفيق؟ فلو أنَّك نمت في فراشك ولم أُوقظك للصلاة، أكان ذلك أفضل لك؟! أكنت ستستطيع النهوض عندها أم لا؟! ولو أنَّني أمرضتك، أو جعلت النعاس يستولي عليك أو سلبتك ذلك التوفيق أو حصلت لك تلك المشكلة في حياتك اليوميّة... والكثير من أمثال هذه الـظروف التي تحصل لنا [أكنت ستستيقظ؟].
