
السالك بين عدالة الله وتفضّله
ما هو دور الفضل الإلهيّ في حركة السالك إلى الله؟ وماذا لو عاملنا الله بعدله وخصوصًا في الذنوب الاجتماعيّة؟ ومتى وكيف يعاملنا الله تعالى بعدله؟ وما هي النوايا والأخلاق التي يجب أن تحكم علاقات الناس على اختلاف أديانهم ومذاهبهم؟ وهل روح التنافس التي تسيطر على مباريات كرة القدم سواء بين الشعوب الإسلامية أو غيرها هي التي يريدها الإسلام في نظرته التوحيديّة؟! وكيف نوفّق بين الاتكاء على فضل الله تعالى وبين ضرورة القيام بالتكاليف؟ محاور تناولها سماحة السيد محمّد محسن الطهراني في محاضرته الثانية عشرة من محاضرات شرح دعاء أبي حمزة بالإضافة إلى كثير من الفروع المهمّة والشواهد والقصص من سيرة أهل البيت عليهم السلام وأتباعهم من العرفاء بالله.
السالك بين عدالة الله وتفضّله
11لماذا يحصل كلّ هذا؟ لعدم وجود الاعتقاد، لسنا معتقدين بما نقول، فنحن نخدع الناس؛ نقوم بنصيحة الناس وتعليمهم المبادئ، في الوقت الذي لا نكون فيه معتقدين بما نقول، بل نحن نشكّ في هذه المبادئ، ونتكلّم إلى الناس ونحن في شكّ من أمرنا؛ فتلك المواضيع التي نحن في شكّ منها، نطرحها على الناس على أنَّها أمور يقينية. لماذا؟ كان من الأفضل ألاّ نطرحها، كان علينا أن نصل إلى محتواها بأنفسنا في بادئ الأمر، ثم نقوم بطرحها على الناس!
أمّا عندما يحلّ ذلك اليوم الذي يخسر فيه الإنسان، [فسيدخل المنزل بحال من الكآبة بحيث إذا ما تكلّم معه شخص فسيقول له:] مزاجي متعكّر هذا اليوم، فاتركوني وشأني؛ اذهب يا بنيّ والعب مع ذلك الطفل! اذهب! ليس لدي الوقت الآن، فرأسي يؤلمني! ويقلب المنزل إلى جهنّم والبرزخ؛ لم كلّ هذا؟ لأنَّه قد خسر مليونًا؛ إن كنت خسرت فقد خسرت، فأيّ نمط من الحياة هذا؟! إن كان هذا المليون سيأتي إلى جيبك، فقد صار الآن في جيب الرجل المجاور؛ فهو موجود لم يُعدم، كلّ ما في الأمر أنَّ مكانه قد تغيّر، فاستقرّ في جيب الرجل المجاور، فلم يبتعد عنك كثيرًا بحيث أقمت مأتمًا، بل ابتعد عنك بمسافة نصف متر؛ فلو كان قد ابتعد كثيرًا، وذلك بأن يكون قد ذهب إلى الهند أو أمريكا أو استراليا [لاختلف الأمر بعض الشيء]، ولكنّه لم يبتعد عنك سوى نصف متر فاستقرّ في جيب جارك، وأنت ترى أنَّه في جيبه؛ فهذا مما لا ينبغي أن يبعث على الحزن؛ ومن الممكن أن يتغيّر مكانه مرة أخرى لمسافة نصف متر ويعود إلى مكانه؛ وسيحصل ذلك في يوم ما.
هل تنسجم الروح المسيطرة على مباريات كرة القدم مع الروح الإنسانيّة وحبّ الإنسان لبني نوعه؟
وقد كنت أتكلم مع بعض الأصدقاء قبل عدّة أيام، فقلت: أنا أتعجب حقًا مما يجري في مباريات كرة القدم العالمية، فما يتعلق من الموضوع بمسألة الرياضة بحدّ ذاتها فهو جيّد ويمكن قبوله؛ أمّا ما يتعلّق بتلك الضجّة المثارة في دول العالم حول هذا الموضوع، وما يحصل من الاحتفالات الصاخبة المرافقة لفوز هذا الفريق، أو الإصابة بالسكتة القلبية نتيجة لخسارة ذلك الفريق، فهذا أمر بعيد عن الشأن الإنساني وحب الإنسان لبني نوعه. ألا يُفكر الإنسان بأنَّ الطرف الخاسر في هذه المسابقة سيحزن بنفس الدرجة التي يفرح بها هو من جراء هذا الفوز؛ وأيّ فوز هو؟! ذلك الفوز الذي يكون لعامل الحظ نسبة الثمانين بالمائة فيه، وهذا ما نلاحظه بأنفسنا، فقد شاء الله أن تفوز في هذه المسابقة. ألا تفكّر في نفسك بأنَّ هذا الفوز الذي سبّب لك كلّ هذه السعادة وجعلك تطلق أبواق السيارات ــ ولأيّ شيء؟ لأنَّ الكرة قد دخلت في الهدف ــ فجعلك تتصرّف وكأنَّ جبرائيل قد نزل من السماء، أو كأنَّك قد سيطرت على بقية الكواكب؛ ألا تُفكّر بأنَّ هذه السعادة يقابلها الآن نفس هذه الدرجة من الحزن لدى النساء والأطفال والرجال في البلد المقابل؟ فلو فكّر الإنسان بهذا الأمر، فهل سيفرح عندها؟ قد يفرح بعض الشيء، ولكن لا ينبغي أن يصل الأمر إلى هذا الحدّ من الصخب والضجيج حيث يكاد أحدهم أن يُمزّق نفسه، ولأيّ شيء؟ لأنَّه قد فاز.
