
آثار حسن الظنّ بالله والثقة بوعده
المحاضرة العاشرة من محاضرات شرح دعاء أبي حمزة من عام 1435 هـ، تحدّث فيها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدس سره حول محاور ثلاثة: 1. حسن الظنّ بالله تعالى رغم فشل بعض السلاك. 2. كيف نتعامل مع الحالات المعنويّة لتحويلها إلى ملكات؟ 3. ما معنى التنجّز لما وعده الله؟ عارضًا لنماذج من سيرة بعض أهل المروءة والشهامة، وللكرامات التي ظهرت لهم. مؤكّدًا في الأثناء على ضرورة المحافظة على ما يمتلكه العوامّ من فطرة وإن كانوا على غير ظاهر التديّن.
آثار حسن الظنّ بالله والثقة بوعده
10انظروا! هذا يقول: لقد ذهبت وشاهدت الجميع، ورأيت أنّ هذا يختلف عن الجميع! في حين أنّ المسألة لو كانت بالعمامة، فالجميع يضع العمامة! ولو كانت باللحية والثوب وما شاكل لما اختلف الأمر. فبأيّ شيء كان يشعر حينها؟ لقد كانت فطرته تقوده نحوه، وبما أنّ فطرته صافية، فهو عندما يرى واقعاً وحقيقة ما ينجذب إليها سريعاً. أرأيتم؟! قد ينظر الإنسان إلى بعضهم أحياناً فينزعج منه؛ لأنّه لا ينسجم معه، فهما لا ينسجمان! خلافًا لما لو نظر إلى من ينسجم معه، وهذا أمر يثير الدهشة! فخصوصيّة المرحوم العلّامة كانت جلية للجميع؛ فقد كنت معه في جميع المواضع والأماكن التي ذهب إليها، ففي المستشفى كان الناس ينجذبون إليه بشكل تلقائي! وما شاء الله لم يكن مريضًا بمرض أو مرضين! وقد قلت له ذات مرة: سيّدنا! الظاهر أن ملفّكم الطبّي قد اكتمل؛ إذ صار فيه من كل الأمراض: القلب والمعدة وضغط الدم والعين وغيرها... فضحك وقال: لا بل بقيت بعض الأمراض لم أصب بها حتّى الآن!
وفي كلّ مرة كنّا نخرج من المستشفى لنعود إلى المنزل، كنّا نخلّف وراءنا موكب عزاء من قبل الممرّضين؛ نساء ورجالاً، وكانوا يودّعوننا بدموعهم إلى أن نخرج. فهؤلاء يفهمون الواقع وينجذبون إليه، والحال أنّ الكثير كانوا يذهبون إلى نفس المكان، ففي الوقت الذي كان هو في المستشفى كان هناك آخرون يعالجون أيضًا، لكنّهم كانوا عاديين في التفاعل معهم!!
طيّب هذا كان رجلاً ذا ثبات، ذا يقين بالإمام الحسين وذا يقين بالأئمة، كان يحسب لهم حساباً؛ فقد نقل لي رجل وهو بنفسه رأى ما نقله إليّ، رحمة الله عليه قال: كنت أعرف طيّبًا وكان رجلًا كثير المزاح، وفي يوم من الأيام رأيت منه شيئاً لم أره من أحد سواه؛ فقد كنت في موكبه يوم عاشوراء أيام شبابي ـ والكلام له رحمة الله عليه وهو المرحوم الحاج حسين كبير وكان من أهل الولاء وكان منبرياً معروفاً من سكان قم، فهو الذي نقل لي هذه الحادثة ـ قائلًا: كنت شاباً في ذلك الوقت وكنت في موكب طيّب يوم عاشوراء، وجاء الناس وقدّموا لهم الطعام، وكانت القدور كثيرة، وكان لديه موكب كبير جداً، وكان الكثير من الناس يأتون إليه ويأكلون عنده. وبعد الظهر، عند الساعة الثانية بعد الظهر تقريبًا، كان الطعام قد نفد والناس قد ذهبوا، وإذا بخبر يأتيه بأنّ مسيرة عزاء جديدة ستصل، وبدون سابق تنسيق.. إذ كانت المواكب تخبر بعضها بأنهم سيأتون، لكنّ هؤلاء جاؤوا بغير إخبار، ولعلّهم لم يجدوا مكاناً آخر فجاؤوا إلى طيّب المسكين، وقالوا: ليكن غداؤنا عنده. فقال: ما الخبر؟ فقيل له هناك موكب من مئات الأفراد سيصل إلينا بعد قليل.. ولم يكن قد بقي في القدور شيء، إلا قِدر يحتوي على ما يكفي لعشرة أشخاص أو خمسة عشر شخصاً، فيه بهذا المقدار من الأرز أو الطبيخ مثلاً، فتحيّرنا ماذا نفعل؟! وإذا به يقوم ويقول: لا تقلقوا أبداً؛ فالموكب للإمام الحسين عليه السلام وهو يعرف ما الذي سيفعله. فقال المرحوم الحاج حسين كبير: رأيت بعيني أنّه ذهب وفتح غطاء القدر، وأخرج طعاماً لهؤلاء الأشخاص الأربعمائة وأطعمهم جميعاً. بعد ذلك ذهبت ونظرت في القدر وإذا بالطعام كما كان؛ مقداره يطعم عشرة أو خمسة عشر. فلأيّ شيء يحصل هذا؟ ومن منّا يمكنه أن يفعل ذلك؟ تفضّلوا بسم الله! نحن المدّعون الذين ندّعي بأنّ الجنّة لنا، وأنّ صدر الجنّة لي أنا! ولكن لو وضعت يدي في القدر الذي يحتوي على ما يطعم خمسة عشر رجلاً لتبخّر ولما بقي فيه شيء! تمامًا كما فعل مسيلمة الكذاب الذي قيل له: إنّ النبيّ كان يبصق في البئر فيرتفع ماؤه! فقال أنا أبصق فيه فيجفّ!! فالمعجزة معجزة! فهل تستطيعون أن تفعلوا هذا؟! نعم إنّه محقّ! فالمعجزة معجزة في النهاية! فأنا أبصق وأجفّف البئر، ومعجزتي هكذا على العكس من تلك، تجفّف البئر...!! أقوم بالصلاة [صلاة الاستسقاء] فتذهب الغمامة التي فوقنا!
