
أهمية الوفادة على الله تعالى بغير زاد
ماذا سيحصل لو تعامل الله تعالى معنا بعدله؟ من هو المصدر الحقيقي للأعمال: الله تعالى، أم الإنسان؟ ما هو السرّ في جعل الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم منزل أبي سفيان مأمنًا في فتح مكّة؟ ماهو الفرق بين تعاملنا مع الحوادث والوقائع وتعامل الأولياء والنبي معها؟ وكيف تتجلّى رحمة الله فيهم؟ إذا لم يتعلّم الإنسان بأنّه لا شيء، ما الذي سيحدث له؟ هي تساؤلات سعى سماحة السيّد قدس سره تعالى للإجابة عنها في هذه المحاضرة، مع الإشارة في ضمن ذلك إلى بعض القصص التربويّة المعبّرة.
أهمية الوفادة على الله تعالى بغير زاد
8الرسول والأولياء هم تجلّ لرحمة الله تعالى الواسعة
ونحن نقول: يجب أن يسجن هذا! وهو يقول: ينبغي أن يُطلق سراحه! فنقول له: ما معنى هذا؟ بل ينبغي أن يُسجن! فيقول لنا: إن كنت أنا هو النبي، فاجلس أنت ولا تتكلّم! ونقول: ينبغي لهذا أن يُمنح منصبًا، فيقول: النبي: لا ينبغي أن يسلم أيّ منصب! فنقول له: لقد ضحّى هذا الرجل كثيرًا، وجاهد في سبيل الله! فيقول النبيّ: من الذي يعلم أكثر: أنا أم أنت؟!
كان هناك أشخاص في زمن المرحوم العلاّمة يعترضون عليه، ويقولون: لماذا يمنح المرحوم العلاّمة العالِمَ الفلاني وقتًا ليأتي إلى منزله كلّ أسبوع ويجلس معه، بينما العالِم الفلاني الذي يتمتّع بهذه الخصوصيات وهذه المنزلة لا يعطيه مجالاً أبدًا، بل حتّى عندما يطلب منه موعدًا للقاء به، لا يمنحه ذلك! فكان ذلك الشخص يبرز اعتراضه! فقلت له: يا عزيزي، عندما تصير أنت أستاذًا، تعال وبدّل مكانة هذين الشخصين؛ وقل لذاك الذي يأتي كل أسبوع أن لا يأتي! أمّا الآن، فبما أنّ هناك مثل هذا السيّد بمثل هذه المنزلة، فتمهّل قليلاً، ولا تعمل على إظهار رأيك، ودع الأيّام تمضي!
فما الذي يفهمه هذا؟! يا عزيزي، اذهب وانشغل بعملك؛ فماذا تفهم أنت من هذه الأمور؟ هل لديك خبر عمّا يجري في الضمير؟ وهل لديك اطّلاع على النفوس؟ وهل لديك علم بالأمور؟ اذهب واعمل بتخصصّك ـ مهما كان هذا التخصّص ـ ، وأبرز رأيك في ذلك المجال! وقد كان الأمر على هذا النحو أيضًا في زمن النبيّ، حيث أتوا عنده، واعترضوا عليه: لماذا جعلت بيت أبي سفيان مأمنًا؟ ألم يكن يفعل كذا؟ ألم يفتعل معركة بدر؟ ومن الذي كان وراء معركةأحد والأحزاب و...؟ إنّ فعل رسول الله لا يصدر من تلقاء نفسه، بل إنّ فعله هو فعل الله! سواء في مقام التكوين أم في مقام التشريع والتربية؛ ففي كلا الجهتين التكوينيّة والتشريعيّة، يكون فعل رسول الله هو فعل الله؛ وعليه، حينما يُخصّص النبي منزل أبي سفيان بالذكر، فإنّ ذلك يعني أنّ هذا الدين هو دين الرحمة، لا دين القتل والانتقام! فممّن تريد أن تنتقم؟ فقد قام أبو سفيان بتلك الأعمال في الجاهلية، وأمّا الآن، حينما صار هذا الإنسان مسلمًا، فقد أصبح ينطبق عليه: "الإسلام يجبّ ما قبله"؛ أي أنّ الإسلام يستر كلّ ما كان قبله ويمحوه ويضع عليه ستارًا! وقد ارتكب تلك الأفعال في زمان الجاهلية؛ يعني في أجواء الفكر الجاهلي المليء بالحقد والضغينة والحسد والأنانية والنفسانيات؛ ففي مثل هذه الأجواء، أشعل الحرب، وبمثل هذه الذهنيّة ارتكب تلك المخالفة، وفعل هذه المعصية.
