
أهمية الوفادة على الله تعالى بغير زاد
ماذا سيحصل لو تعامل الله تعالى معنا بعدله؟ من هو المصدر الحقيقي للأعمال: الله تعالى، أم الإنسان؟ ما هو السرّ في جعل الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم منزل أبي سفيان مأمنًا في فتح مكّة؟ ماهو الفرق بين تعاملنا مع الحوادث والوقائع وتعامل الأولياء والنبي معها؟ وكيف تتجلّى رحمة الله فيهم؟ إذا لم يتعلّم الإنسان بأنّه لا شيء، ما الذي سيحدث له؟ هي تساؤلات سعى سماحة السيّد قدس سره تعالى للإجابة عنها في هذه المحاضرة، مع الإشارة في ضمن ذلك إلى بعض القصص التربويّة المعبّرة.
أهمية الوفادة على الله تعالى بغير زاد
4يا هذا! اذهب وتعلّم الأدب، اذهب وتعلم اللباقة، اذهب وتعلّم الحقيقة عند أهلها! فلا ينبغي لك أن تتكلّم هكذا! ولا يخفى أنّني كنت قد وفّقت للقاء به في اليوم السابق على ذلك، فكانت لديه بعض الترّهات التي تستحق الإصغاء؛ والحاصل، أنّنا قمنا بالمطلوب معه في اليوم السابق؛ فكان يريد أن يجبُر ما قمنا به ـ بشكل من الأشكال ـ من خلال لقائه بالمرحوم العلاّمة! فقام العلامة بالإضافة عليه أكثر!
ما معنى هذا؟ ماذا يعني قولك: أنا لا يصدر منّي ذنب؟ من أنت حتى تذنب أو لا تذنب؟ يا عزيزي، إن مَسَك أحدُهم أذنَك، نزع معها مخّك [لشدّة ضعف بدنك]! فمع بلوغك الثمانين أو التسعين من عمرك لست بالشخص الذي تكون له القدرة على فعل طاعة أو معصية! فالإنسان قد يصل إلى مرتبة من الأنانية وعدم الفهم... إذ إنّ لعدم الفهم مراتب أيضًا! فبعضٌ لديه شيء من عدم الفهم، وبعض آخر لديه أكثر من ذلك، وأحيانًا قد يوجد شخص لا يمتلك أيّ حظّ من الفهم؛ فهي مسألة مقولة بالتشكيك.
الله تعالى هو مصدر كلّ أعمال الإنسان
لقد جاء الأولياء ليقولوا: يا عزيزي، إنّ جميع الأمور هي منك [أي من الله تعالى]! فما هي حقيقة الذنب؟ الذنب هو الوقوف أمام الحقّ، والتكبّر أمام الله، وإبراز الأنانية مقابل الله تعالى، وإثبات الوجود وادّعاء الاستقلاليّة أمامه عزّ وجلّ؛ نظير: أنا لا يصدر منّي ذنب، أنا لا تصدر منّي معصية!
لقد وقف أمير المؤمنين عليه السلام على قبر سلمان عند دفنه، وكتب هذين البيتين من الشعر بأصبعه على تراب قبره:
وفدت على الكريم بغير زاد *** وحمل الزاد أقبح كل شيء من الحسنات والقلب السليم *** إذا كان الوفود على الكريم هذا الذي يعلمنّا إياه أمير المؤمنين! فأين نحن من سلمان؟! فسلمان قد صار "منّا أهل البيت"، وقال عنه النبيّ: "بحر لا يُنزف" ـ يعني لا نهاية له ـ ، ومع ذلك عندما يموت مثل هذا الشخص، فإنّ أفضل حال يريد أمير المؤمنين أن يصف به تلميذه التربوي الذي تربّى في حجره، وفي مدرسة أمير المؤمنين والنبيّ، فإنّه يقول: عندما رحل سلمان عن الدنيا، لم يصحب معه أيّ شيء ليعرضه على الله تعالى.. كان صفرًا! مثل الذي يوجد الآن في يدي: لا شيء، فقط هواء! فأين ذهبت تلك الصلوات التي كان يصلّيها؟! وأين ذلك الصوم الذي كان يصومه في هذه السنوات؟! وماذا حصل لذلك الحجّ الذي أدّاه؟! وأين هي تلك الصدقات التي كان ينفقها؟! انتبهوا جيّدًا، فقد وصلنا إلى مطلب دقيق جدًّا! ألم يكن يُصلّي؟! من الذي كان يصلّي؟ سلمان؟! لا! سلمان لم يكن يصلّي! من الذي كان يصوم؟ سلمان كان يصوم؟! كلاّ، سلمان لم يكن يصوم! من الذي كان يقرأ القرآن؟ هل كان سلمان هو الذي يقرأ القرآن؟! هل كان سلمان هو من ينفق؟! ألا يتطلّب الإنفاق مالاً؟ من أين كان يأتي هذا المال؟ حتمًا لم يكن يأتي به من منزل خالته؛ فمن أعطاه المال إذًا؟ وعليه، عندما كان سلمان ينفق، كان يأخذ المال من جهة، ويضعه في جهة أخرى؛ فأين هو سلمان في هذا البين؟ غير موجود! فليس لسلمان أيّ دخل هنا! من الذي كان يصلّي؟ من الذي كان يلقي الشوق للصلاة في نفس سلمان؟ من الذي كان يلقي محبّته في قلب سلمان؟ فلو لم يكن هناك محبّة في قلب سلمان، فهل كان سيصلّي؟! لم يكن ليتمكّن من تحريك يده أبدًا حتّى يُصلّي! فذلك العشق لله تعالى الموجود في قلب سلمان هو الذي جعله ينهض في منتصف الليل للصلاة، وذلك العشق لله هو الذي دفعه لفتح القرآن لكي يقرأ: ﴿وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَ قَبْلَ غُرُوبِها وَ مِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَ أَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى﴾۱، فعلّة هذه الأمور هو ذلك العشق لله تعالى الذي يأخذه سلمان من جيبه ويُنفقه؛ فإذن من الذي يفعل ذلك كلّه؟! هو [الله تعالى] الذي يفعله! فنحن نرى الجهة الظاهريّة فقط للفعل، لكنّه هو الذي يقوم به؛ فلو أنّه أخذ من سلمان ذرّة واحدة من هدفه ومقصوده ومراده، فهل كان بوسعه أن ينهض للصلاة؟!
- سورة طه (٢۰) ألآیة ۱٣۰.
