
معنى التنجّز وأهمّيته في السلوك
في هذه المحاضرة، يُركّز سماحة السيّد قدس سره تعالى على بيان معنى التنجّز من خلال الإجابة عن الأسئلة التالية: ما هي علاقة التنجّز بالواقعيّة والعينيّة؟ ما هي أهمّية التنجّز في حياة السالك؟ من هو السالك المتنجّز؟ ما المراد من تنجّز لقاء الله تعالى؟ وما معنى تنجّز وعد الله تعالى في الصفح عن المستغفرين؟ كما يعرض سماحتُه في ضمن ذلك بعض القصص والنماذج لتوضيح هذا الأمر.
معنى التنجّز وأهمّيته في السلوك
9حسنًا، فهذا يُعدّ معيارًا من المعايير، والإنسان يمكنه ذلك.. تفضّل على بركة الله! ويمكنه أن يتحرّك ويتقدّم، ويمكنه أن يشاهد لقاء الله لحظة بلحظة؛ وكم هو جميل عندما يتمكّن الإنسان من عبور جسر، والخروج من امتحان، فيرى كم كان ذلك جميلاً ولذيذًا، وكم هي المنافع المترتّبة على ذلك! فهذه المسألة هي التي تعني لقاء الله.
لقد كان الشيخ الأنصاري يريد أن يقول للمرحوم دستغيب: ما معنى أنّك تبحث عن لقاء الله؟ ففي كلّ آن تتواجد فيه هنا، يحصل لك لقاء الله! حسنًا، تعال لأريك ذلك في الصلاة، إلى درجة أنّك لن تعلم متى ركعت ومتى سجدت، وفي أيّ حال ووضع كنت! حسنًا، لقد شاهدت هذا الأمر بنفسك!
معنى تنجّز وعد الله تعالى في الصفح عن المستغفرين
في أحد الأيّام، كنت مع مجموعة من الأشخاص في مكان ما مع المرحوم العلامة ـ طبعًا كلّنا مبتلى بالنقص والعيب والضعف ـ ، فنظر أحد الرفقاء ـ وهو من رفقاء ذلك الزمان ولايزال الآن على قيد الحياة ـ إلى المرحوم العلاّمة ـ ولم نعرف لماذا فعل ذلك ـ وقال: يا سيّدي، ما هو الحاصل؟ ما هو حاصل كلّ هذه المساعي التي بذلناها هنا؟! فنظر إليه العلاّمة... ماذا يقول له؟! قال له: سمعًا وطاعة!!! حسنًا، ما هو سبب ذلك؟ فلا داعي للقول «ما هو الحاصل؟» من الأساس! فأنت عندما تكون هنا، لا داعي لقولك «ما هو الحاصل؟»، وإلاّ لماذا لست في مكان آخر الآن؟! فيكفي أنّك موجود هنا ولست في مكان آخر، والحال أنّه يمكنك أن تكون في مكان آخر، ويمكنك أن تفعل أمورًا أخرى، ولكن بسبب وجودك هنا لا تفعل ولا يمكنك أن تفعل ذلك، ولأجل أنّك هنا، لا يتمكّن فكرك ونفسك وفطرتك ووجدانك من الإقدام على ذلك؛ فصرت تأخذ القرار الصحيح في مختلف مسائل الحياة الاجتماعيّة وغيرها. وعليه، ما الذي يعنيه قولك «ما هو الحاصل؟»؟
إنّ هذه المسألة تعني حقيقة الحضور، وذلك التنجّز الذي يقول عنه الإمام السجّاد عليه السلام: أنا متيقّن في وجودي من ذاك الوعد الذي وعدتني به؛ يعني أنا أشعر به.. متنجِّزٌ مَا وَعَدْتَ مِنَ الصَّفْحِ عَمَّنْ أَحْسَنَ بك ظنًّا، أي أنا مصدّق بأنّك تغمض عن ذنوبي وتغضي عنها، وأنا أفهم ذلك وأشعر به؛ ألا ترون أحيانًا أنّ الإنسان قد يرتكب ذنبًا وتحصل له كدورة، لكنّه حينما ينهض للصلاة يرى أنّ تلك الحالة قد زالت عنه، واستبدلت بحالة من الخفّة؟! هذا هو المراد من ذلك! يعني أنّ الله قد أغمض عنه، ولو لم يغمض الله عنه، لبقي على ذلك الحال؛ وهذا ما يحصل كثيرًا للإنسان، وذلك بأن تُصيبه حالة من الكدورة، ثمّ بعد ساعة يحصل له شيء معيّن، أو يتدخّل عنصر آخر؛ كأن يسمع القرآن مثلاً أو يحصل له توجّه خاصّ، فيلحظ أنّ تلك الحالة قد ارتفعت! عجبًا! عند ذلك، نجد أنّ ذلك الإنسان يتنفّر كثيرًا من تلك الحالة، فلا يريدها أن تعود أبدًا، ولا يريد أن يعيد ذلك الكلام الذي صدر منه، أو إذا صدر منه، يريد أن يصحّحه! فما هو سبب حصول هذه الحالة النورانيّة؟ "الصفح عَمَّنْ أَحْسَنَ بك ظنًّا"؛ أي أنّ الله تعالى قد ستر عليه، فذهبت تلك الحالة، وعادت له حالته السابقة، وصارت لدى نفسه حالةٌ من البهاء والبهجة، لكن يبقى أنّ هذا المقام هو مقام حال لا مقام استقرار، بمعنى أنّه ينبغي العمل على تكراره بشكل مستمرّ إلى أن يصل إلى مرحلة الاستقرار، ويجب على الإنسان أن يُمرّن نفسه ويُداوم على المراقبة لكيلا يعود لنفس الخطأ.
