
معنى التنجّز وأهمّيته في السلوك
في هذه المحاضرة، يُركّز سماحة السيّد قدس سره تعالى على بيان معنى التنجّز من خلال الإجابة عن الأسئلة التالية: ما هي علاقة التنجّز بالواقعيّة والعينيّة؟ ما هي أهمّية التنجّز في حياة السالك؟ من هو السالك المتنجّز؟ ما المراد من تنجّز لقاء الله تعالى؟ وما معنى تنجّز وعد الله تعالى في الصفح عن المستغفرين؟ كما يعرض سماحتُه في ضمن ذلك بعض القصص والنماذج لتوضيح هذا الأمر.
معنى التنجّز وأهمّيته في السلوك
8قال: وفي ذلك الحين ارتفع الصوت بالتكبير، وشرع المرحوم الأنصاري بالصلاة ـ والظاهر أنّهم كانوا في المسجد؛ لأنّ المرحوم الأنصاري كان يصلّي في المسجد، وقد حصلت هذه القضيّة في الظهر سواء كان ذلك في المنزل أم في المسجد، لكن من المقطوع به أنّها كانت صلاة الظهر ـ ، وعندما بدأنا بالصلاة، اعترتنا حالة عجيبة جدًّا فاقت جميع تلك الحالات التي حصلت لنا قبل ذلك وكنّا نظنّ فيها بأنّنا نشعر بالسعادة، إذ حصلت لنا حالة ونشاط عجيبين، فلم نعد نشعر متى ركعنا، ومتى سجدنا، وكنّا نقتصر على متابعة المرحوم الأنصاري في فعله من دون الإحساس بالوضعيّة التي كنّا فيها! وحينما انتهت صلاة الظهر، وانتهى المرحوم الأنصاري من التسبيح، نظر إليّ وقال: هل فهمت الآن مسألة لقاء الله؟ وهل أدركت الآن مسألة لقاء الله تعالى في الصلاة؟
نحن نتصوّر بأنّ الحضور في هذا الطريق والثبات عليه هو عبارة عن عمل تكراري يهدف للوصول إلى مرتبة أخرى وحالة أخرى، والحال أنّه في كلّ موقف وكلّ لحظة حصل فيها تجديدُ فكرٍ لنا، فإنّ ذلك يُعدّ بنفسه لقاءً وخطوة نحو الأمام بالنسبة إلينا! فكلّ رؤية جديدة وبصيرة جديدة وفكر جديد يحصل لنا فيما يخصّ مختلف المسائل الاجتماعيّة والسياسيّة والدينيّة والفقهيّة والأخلاقيّة والعقائديّة هو عبارة عن خطوة في اتّجاه لقاء الله؛ فما الذي يعنيه لقاء الله تعالى؟ إنّ لقاء الله يعني تثبيت الحقّ ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَق وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ﴾۱.
عجيب جدًّا! فالله هو الحقّ، ومتى ما وقفت أمام خيارين: إمّا أن تقول الصدق أو تكذب، وصدقت، فإنّ الله موجود هناك، وليس أنت. وأمّا إذا كذبت، فإنّ الشيطان هو الموجود هناك.. ﴿وَ أَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ﴾؛ لماذا تكذب؟ لوجود جهة ﴿هو الباطل﴾؛ فـ ﴿يدعون﴾ ليست بمعنى الدعاء والطلب، بل بمعنى الوجهة والتركيز والتوجّه والاعتماد؛ فذاك الذي يدعونا نحو الكذب هو الباطل، وأمّا الذي يدعونا نحو قول الصدق ـ والحال أنّ الصدق خلاف لمصلحتنا الدنيويّة، ومع ذلك نقول: نحن نقول الحقّ ولو كان في غير مصلحتنا ـ فما هو؟ هو الله؛ ﴿ ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقّ﴾، فالله حاضر هناك؛ وعليه، فإنّ نفس اختيارك لهذا الطريق من بين هذين الطريقين اللذين أمامك يعني لقاء الله، وهو لقاء لله تعالى بهذا المستوى؛ وقد يكون عندنا لقاءٌ في قضيّة أخرى ومسألة أخرى، بل في كلّ موقف كان لديك فيه قدم صدق ونية صدق وهدف صدق؛ فذلك الموقف يعني: ﴿بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقّ﴾، فالله هو الحقّ يعني أنّه حلّ في كيانك، وبما أنّه حلّ في كيانك، فأنت تقول الحقّ، فتكتشف بأنّ هذا الصدق هو بسبب ماذا؟ ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَق﴾؛ أي أنّ الحقّ قد أتى إلى هنا. وأمّا إذا حلّ الشيطان، فإنّك ستكذب؛ يعني إذا كذبت، فإنّ الشيطان قد أتى؛ وبذلك تكتشف بأنّ هذا الكلام قائم على أساس عدم حضور الله، وعدم الحقّ، ومن باب ﴿وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوالْباطِلُ﴾؛ فالباطل قد حلّ في هذا المكان.
- سورة الحجّ، الآية ٦٢.
