
معنى التنجّز وأهمّيته في السلوك
في هذه المحاضرة، يُركّز سماحة السيّد قدس سره تعالى على بيان معنى التنجّز من خلال الإجابة عن الأسئلة التالية: ما هي علاقة التنجّز بالواقعيّة والعينيّة؟ ما هي أهمّية التنجّز في حياة السالك؟ من هو السالك المتنجّز؟ ما المراد من تنجّز لقاء الله تعالى؟ وما معنى تنجّز وعد الله تعالى في الصفح عن المستغفرين؟ كما يعرض سماحتُه في ضمن ذلك بعض القصص والنماذج لتوضيح هذا الأمر.
معنى التنجّز وأهمّيته في السلوك
6فما الذي يتصورّه الناس؟ يتصوّر الناس بأنّ النبيّ قد جاء وقرأ علينا هذه الآيات وحفظناها، وبما أنّ النبي قالها لنا، فنحن نقرأها! لا، بل يجب على الناس أن يحضروا هذه المعاني الموجودة في وجود النبيّ ـ والتي ألقاها بهذه الألفاظ فدوّنوها على جلود الحيوانات وعلى الأوراق وغيرها ـ ، وأن يحفظوها في وجودهم، ويثبتوها في نفوسهم، ثمّ يعيدوا قراءتها من وجودهم عند الصلاة أو عند قراءة القرآن؛ فماذا يعني ذلك؟ يعني أنّ القرآن قد نزل عليك أنت، ونزل على كلّ فرد منكم، والنبيّ عبارة عن مرآة فقط؛ لأنّنا بحاجة إلى مرآة في الوسط، وبحاجة إلى واسطة، فالله لا يأتي ويوحي إلى كلّ فرد فرد؛ لأنّ الوحي بحاجة إلى عدّة أمور يا عزيزي! فهو بحاجة إلى الذهاب إلى غار حراء، فمن يا تُرى قد ذهب منّا إلى غار حراء؟ لو مشينا خطوتين فقط، لقلنا: آخ، رجلي تؤلمني! ولعدنا إلى المنزل، وأمّا النبيّ، فكان يُقيم في غار حراء أربعين يومًا بعد الأخرى! إنّ الوحي يستتبعه العمل، ويستتبعه البرد، وبحاجة إلى إحياء الليالي حتّى الصباح، وبحاجة إلى عزلة ومجاهدة ومراقبة، وبحاجة إلى ألف مسألة أخرى.
حسنًا، فالله أعفانا من جميع ذلك، وقال لنا: اجلسوا في منازلكم، فقد اصطنعنا ذاك الذي ينبغي عليه أن يقوم بكلّ هذه الأمور! وقد أعددنا النبيّ والأئمّة لمثل هذه الأمور؛ فهم مكلّفون بحمل أثقالكم، وإيصالكم إلى المقصود! فهذا النبيّ يتوسّط في الأمر، فيتلقّى هذه المطالب، ثمّ يُلقيها علينا بعد ذلك. وأسألكم بحقّ: كم هو مقدار استفادة الذين يقرؤون القرآن بهذه الطريقة من دون الالتفات إلى معانيه أبدًا، وغاية جهدهم أن يمنّوا على الله تعالى بسبب الثواب الذي وعد به الله سبحانه وهذه الأمور؟ وما هو حظّهم من قراءة القرآن؟! هل إنّ الإمام الصادق عليه السلام عندما قال: «لا زلت أردّد: ﴿إيّاك نعبد وإيّاك نستعين﴾، إلى أن رأيت وسمعت أنّ هذه الكلمات تصدر من تلك الذات التي أقول لها: ﴿إيّاك نعبد﴾، وأنا الآن أسمع ذلك!»۱ كان يقرأ بهذه الطريقة؟! وهل كان يقرأ بنية الحصول على الحور العين يوم القيامة؟! أي هل كان يقول: نصلّي لكي نحصل على الحور العين يوم القيامة؟ ولا بدّ أن الحور للرجال، وأمّا النساء، فلهم الغلمان.. وهناك أيضًا برتقال ولبن وحليب في يوم القيامة، وأمثال ذلك!
- يقول السيّد ابن طاووس رحمه الله في كتاب «فلاح السائل»: فَقَدْ رُوِيَ أن مَوْلَانَا جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ الصَّادِقَ [عَلَيْهِالسَّلَامُ] كَانَ يَتْلُو القُرْآنَ في صَلَاتِهِ، فَغُشِيَ عَلَيْهِ. فَلَمَّا أفَاقَ سُئِلَ: مَا الذي أوْجَبَ مَا انْتَهَتْ حَالُكَ إليه؟ فَقَالَ مَا مَعْنَاهُ: مَا زِلْتُ اكَرِّرُ آيَاتِ القُرْآنِ حتى بَلَغْتُ إلَى حَالٍ كَأنَّنِي سَمِعْتُ مُشَافَهَةً مِمَّنْ أنْزَلَهَا، عَلَى المُكَاشَفَةِ وَ العِيَانِ، فَلَمْ تَقُمِ القُوَّةُ البَشَرِيَّةُ بِمُكَاشَفَةِ الجَلَالَةِ الإلَهِيَّةِ (معرفة الله، ج ۱، ص ٣۰٦). المترجم
