
معنى التنجّز وأهمّيته في السلوك
في هذه المحاضرة، يُركّز سماحة السيّد قدس سره تعالى على بيان معنى التنجّز من خلال الإجابة عن الأسئلة التالية: ما هي علاقة التنجّز بالواقعيّة والعينيّة؟ ما هي أهمّية التنجّز في حياة السالك؟ من هو السالك المتنجّز؟ ما المراد من تنجّز لقاء الله تعالى؟ وما معنى تنجّز وعد الله تعالى في الصفح عن المستغفرين؟ كما يعرض سماحتُه في ضمن ذلك بعض القصص والنماذج لتوضيح هذا الأمر.
معنى التنجّز وأهمّيته في السلوك
5ففي أحد الأيّام، ذهبت عند أحد العلماء ـ وقد مات فعلاً وانتقل إلى رحمة الله، وكان مرجع تقليد ورجلاً جيّدًا ـ فدار الكلام حول الصلاة، فقلت له: يا سيّدي، بأيّة نية تُؤدّون الصلاة؟ فقال: لقد وعد الله بالجنّة والحور العين، ووعد بكلّ هذه النعم في الجنّة؛ فنحن نصلّي لأجل ذلك، وإلا فلماذا نصلّي؟! لقد كان يبلغ التسعين من العمر، ومع ذلك نراه يقول: أنا أصلّي للحصول على الحور التي سيمنحونها لنا بعد الموت! لكن ماذا عن الآن؟! لا شيء! ما الذي تستفيده الآن من الصلاة؟ وما الذي تحصل عليه من القرآن الآن؟ وما الذي تناله من الصوم الآن؟ فنحن نصوم حتّى نحصل على برتقالٍ يوم القيامة؛ فبرتقال الجنّة بهذا المقدار.. بمقدار البطيخ! لكن من الجيّد أن تكون الأغصان صلبة حتّى لا تنكسر، فتقع البرتقالة على رأس الإنسان! وأمّا البطيخة، فلا بدّ أن تكون هناك بوزن طنّ!
ونحن نقرأ القرآن لكي نحصل على الثواب في ذلك العالم؛ مثلما ورد في الروايات أنّ الإنسان تنبت له شجرة على كلّ آية قرأها، وأنّ له شجرة في الجنة عل كلّ (لا إله إلا الله) يقولها وأمثال ذلك. إنّ هذه الشجرة تنمو الآن في وجود الإنسان، لا أنها ستنمو في يوم القيامة، ونحن غافلون عن هذه المسألة! حسنًا، إنّنا نصلي لأنّ الله أمرنا بذلك، ولأنّه وعدنا بالحور والغلمان والنعم.
هل هذا هو الصحيح، أم ما يقوله العظماء ـ ولا يخفى أنّه لدينا روايات بهذا المضمون ـ عندما يذكرون بأنّه عليك حينما تقرأ القرآن أن تتصوّر بأنّ قارئ القرآن [وملقي القرآن]هو أنت؛ بمعنى أنّ هذه الآيات قد دخلت واستقرّت في وجودك وأنت تتلوها من وجودك وذاتك! أي أن تجعل من نفسك أنت القارئ، والمستمع شخصًا آخر.. هذا هو معنى قراءة القرآن؛ مثلما كان القرآن ينزل على النبيّ، وكان النبيّ يقرأ هذه الآيات بعد أن انتقشت في نفسه وتكوّنت حقيقتُها في وجوده، لا فقط هذه الألفاظ: (صاد وضاد وطاء ودال وذال ولام وعين)، لا، بل حقيقة هذه الآيات وواقعيّتها، وذلك العالم الذي تحكي عنه هذه الآيات، وتلك المفاهيم التي تترشّح عنها هذه الآيات! فالألفاظ تحكي عن هذه المفاهيم المغروسة في وجود النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم الذي يأتي بعد ذلك ويلقيها على الناس بواسطة هذه الألفاظ؛ هل هذا واضح؟
