
معنى التنجّز وأهمّيته في السلوك
في هذه المحاضرة، يُركّز سماحة السيّد قدس سره تعالى على بيان معنى التنجّز من خلال الإجابة عن الأسئلة التالية: ما هي علاقة التنجّز بالواقعيّة والعينيّة؟ ما هي أهمّية التنجّز في حياة السالك؟ من هو السالك المتنجّز؟ ما المراد من تنجّز لقاء الله تعالى؟ وما معنى تنجّز وعد الله تعالى في الصفح عن المستغفرين؟ كما يعرض سماحتُه في ضمن ذلك بعض القصص والنماذج لتوضيح هذا الأمر.
معنى التنجّز وأهمّيته في السلوك
11فبعض الإخوان ـ إن لم نقل أكثرهم ـ ، عندما يعملون على تنفيذ تلك البرامج المرتبطة بالتوبة التي أمر بها العظماء والأولياء والعرفاء، ويُريدون توضيح تلك الأمور، يقولون: عندما أنظر إلى نفسي الآن، أرى أنّني لم أذنب من الأساس، فما الذي حصل؟ فقبل العمل بذلك البرنامج وتنفيذ تلك الأوامر، كنت أقول مع نفسي: هل يُعقل أن يعفو الله عنّي؟! أي أنّني كنت يائسًا كثيرًا من رحمة الله تعالى، وأمّا الآن، فلا أرى أنّني أذنبت أصلاً.. ﴿أُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَنات﴾. ويبدو أنّنا تحدثّنا عن هذا الأمر سابقًا، وبيّنا كيف أنّ الله تعالى يقلب الذنب ويبدّله إلى حسنة؛ فأحيانًا، يستر الله تعالى الذنب ويعفو عنه، وهذا واضح، لكن أحيانًا يبدّله إلى حسنات، فهذا كيف يحصل؟ عجيب جدًا! إذ كيف يتبدّل الذنب إلى حسنة، وكيف يتبدّل روح الذنب إلى نورانيّة؟ فهذا شيء عجيب! وهو بنفسه يحتاج إلى كلام مفصّل، غير أنّنا لن نتعرّض له الآن.
فكان أحدهم يقول: إنّني لا أشعر في نفسي بأنّني أذنبت من الأساس! ثمّ ظنّ بعد ذلك أنّ هذا أمر سيّء، وأنّه على الإنسان أن يشعر دائمًا بذنبه، فقلت له: لا يا عزيزي! لقد عفا الله عنك، فاذهب وامرح وارقص، فقد صرت موردًا لرحمة الله ومغفرته! لقد طهّرك الله تعالى، فلماذا تسعى وراء ذنوبك؟! لقد انتهى الأمر، وحُذف ذلك من ذهنك!
هكذا هي المسألة، فعندما يريد الإنسان أن يرجع، وأن يتوب، ويُقرّر أن يُغيّر برامجه، فإنّ الله تعالى يساعده؛ فبمقدار ما تدفع مالاً، تأخذ طعامًا! لقد كان هذا المثل يجري دائمًا في ذهن المرحوم العلاّمة وعلى لسانه، فكان يقول لنا دائمًا: بمقدار ما تدفع مالاً تأخذ طعامًا! فإن دفعت كثيرًا، امتلأ ظرفك طعامًا، وإن أقللت، امتلأ نصفه؛ وهكذا!
سوء ظنّ الإنسن بالله مانع من سلوكه إليه
بناء على ذلك، نرى أنّ الإمام يعلّمنا ويبيّن لنا الطريق، ويقول: في علاقتك بالله، ليكن تعاملك معه على أساس الفضل، واعلم أنّ هذا الفضل سيأخذ بيدك، فلا تيأس، ولا تكن سيّء الظنّ به تعالى، وإلاّ فسوف يعيقك سوء الظنّ هذا عن الحركة! فلا تأتِ غدًا وتعترض على الله تعالى وتقول: إلهي، لم أستطع! فيُقال لك: كان بإمكانك أن تكون حَسَن الظنّ! "أنا عند حسن ظنّ عبدي المؤمن بي"؛۱ أي أنا أنظر إلى العبد هل لديه حسن ظنّ بي أم لا، فإن وجدتُه لا يُحسن الظنّ بي، تركته! فما علاقتي بك إن لم يكن لديك حسن ظنّ بي، فاذهب! وواقعًا نحن كذلك! فمن باب المثال، إذا وجدنا شخصًا أو رفيقًا لديه سوء ظنّ بنا، ترانا نقول: دعه، فلماذا عليّ أن أسدي هذه الخدمة له؟! وأمّا إذا رأينا أنّ رفيقًا لديه حسن ظنّ بنا، فحتّى لو لم نرغب في إسداء الخدمة له، تجدنا نقول: بما أنّه يُحسن الظنّ بي، فلأذهب وأسدي له هذه الخدمة وأقضي له حاجته!
- [الكافي] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنِ ابْنِ بَزِيعٍ عَنِ الرِّضَا عليه السلام قَالَ: أَحْسِنِ الظَّنَّ بِاللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ: أَنَا عِنْدَ حُسْنِ ظَنِّ عَبْدِيَ الْمُؤْمِنِ بِي إِنْ خَيْراً فَخَيْراً وَ إِنْ شَرّاً فَشَرّاً (بحارالأنوار، ج ٦۷، ص ٣٦٦). المترجم
