
لقاء الله تعالى يحصل نقدًا لا نسيئة
لماذا ينبغي علينا التركيز على صفة الفضل دون العدل؟ و كيف يُجري الله تعالى عدالته على الإنسان؟ ثم كيف يُمكننا أن نتعامل بالفضل في حياتنا؟ وهل علاقتنا بالله تعالى وثوابه ولقائه هي علاقة نقد أم علاقة نسيئة؟ هي تساؤلات سعى سماحة السيّد قدس سره تعالى إلى معالجتها في هذه المحاضرة الشريفة،.
لقاء الله تعالى يحصل نقدًا لا نسيئة
13وكلّكم يعلم بقصّة زيد بن حارثة۱عندما جاء يومًا إلى النبيّ ـ وكان وجهه مصفرًّا ـ، وقال له: لقد وصلت إلى اليقين! فسأله النبيّ: ما علامة يقينك؟ قال: أنا الآن أرى الجنّة، وأرى أهلها.. أنا الآن أرى الأشخاص الذين هم في الجنّة، لا الذين سيدخلونها لاحقًا! أرى الأشخاص الذين هم الآن في الجنّة! وأنا الآن أرى جهنّم، وأرى الأشخاص الذين هم فيها! عجيب جدًّا! علينا أن ننتبه جيدًا إلى مسألة كيف يُمكن أن يكون شخص في حالة، بحيث لا يُصغي إلى كلّ ما يُقال له! ما السبب في ذلك؟ لأنّه في جهنّم! فلم يعُد يسمع، لأنّه في جهنّم! يقول لك: لا يا عزيزي، لا أقبل، ولهذا الدليل وهذا البرهان، فأنا لا أقبل! لماذا لا يقبل؟ لأنّه في جهنمّ، وقد تلبّدت أجواؤه بالظلمة، فصارت الظلمة محيطة به؛ ولهذا، لم يَعُد يُصغي لكلام الحقّ! فما عسى الإنسان أن يقول له؟ حسنًا، تفضّل في أمان الله! فما عسانا أن نفعل؟! ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحيطَةٌ بِالْكافِرين﴾. وبعد ذلك بدأ [زيد بن حارثة] بإفشاء بعض الأسرار، فأوقفه النبي، وقال له: إلى هنا كان عملك صحيحًا، فلا تفسد علينا الأمور، ودعنا ننجز أعمالنا! قال له زيد بن حارثة: هل تريد أن أخبرك من بين هؤلاء الذين يحيطون بك الآن؛ من هم الذين في جهنّم، ومن الذين في الجنّة؟ فقال له النبي: اسكت! فهنا مكمن الخطر، وقد بدأت بتجاوز الخطوط الحمراء! وخلاصة القول، أنّنا منحناك بعض الأمور، فلا تفشي الأسرار؛ فالآن وقد حصل لك اطّلاع، عليك أن تتصرّف وكأنّك لم تر شيئًا؛ فلا علاقة لك بالأمر! وهذا عجيب جدًّا!٢
ولقد حدث نظير ذلك لمن فُتحت أعينهم؛ ألم تسمعوا أنّ بعضهم كان يرى الأشخاص في صورهم البرزخيّة على شكل حيوانات! فما هي حقيقة هذه الأمور؟ إنّها الجنّة والنار! فهناك من يرى شخصًا بصورة ذئب؛ فهل موطن الذئب هو الجنّة؟! وهناك من يرى شخصًا بصورة خنزير؛ أفهل موطن الخنزير هو الجنّة؟ وهناك من يرى شخصًا بصورة كلب.. نعم، يراه بصورة كلب!
رحمة الله على المرحوم المطهّري، فقد جاء يومًا إلى منزلنا ـ حيث كان يأتي مرّة كلّ أسبوع للقاء المرحوم العلاّمة رضوان الله عليه ـ، وكان يتحدّث معه؛ ومن الجدير بالذكر أنّني في كثير من الأحيان لم أحضر هذه اللقاءات، حيث كنت مقيمًا في قم، غير أنّني كنت آتي أحيانًا إلى طهران، فتحصل مثل هذه اللقاءات، لكنّني في هذا اللقاء لم أكن متواجدًا بالغرفة؛ لأنّه كان لقاء خاصًّا، وحينما أحضرت لهم الشاي، سمعت المرحوم المطهّري يقول للمرحوم العلاّمة: سمعت من المرحوم آية الله السيّد أحمد الخوانساري ـ الذي كان في طهران يؤمّ الصلاة في مسجد الحاجّ فيض الله، وكان رحمة الله عليه من العلماء الفقهاء ـ أنّه سمع من المرحوم الشيخ حسن علي النخودكي الأصفهاني ـ وهذه عبارة عن سلسلة سند جميعُ أفرادها موثّقون وموجّهون، ويمكنكم أن تنقلوها بدوركم!!! ـ يقول: تشرّفت مرّة بالذهاب إلى العتبات المقدّسة في النجف، وعندما كنت أخرج ظهرًا من حرم أمير المؤمنين عليه السلام، كنت أرى بعض كبار العلماء بشكل خنزير! ولا يخفى أنّه ذكر هؤلاء العلماء بأسمائهم، لكنّني أتحفّظ هنا عن ذكر هذه الأسماء! ولو ذكرتها لكم، لدُهشتم! فما هي حقيقة هذه المسألة؟ وهل يمكننا القول ـ والحال هذه ـ بأنّ هذا الشخص في الجنّة؟ فلا وجود للخنزير في الجنّة، ولا يُسمح له بدخولها! وعلاوةً على ذلك، فقد كان يرى أشخاصًا آخرين على شكل خنازير وأشكال مختلفة أيضًا.
- أورد سماحة السيّد القصّة باسم زيد بن حارثة، و لعلّ المراد هو حارثة بن مالك، فقد ورد في بحار الأنوار، ج ٦۷، ص ۱۷٤ما يلي: (أبي، عن ابن سنان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: استقبل رسول الله صلّى الله عليه وآله حارثة بن مالك بن النعمان فقال له: كيف أنت ياحارثة؟ فقال: يارسول الله صلّى الله عليه وآله أصبحت مؤمنًا حقًّا، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وآله: يا حارثة لكلّ شيء حقيقة، فما حقيقة يقينك؟ قال: يارسول الله عزفت نفسي عن الدنيا، وأسهرت ليلي، وأظمأت هواجري، وكأنّي أنظر إلى عرش ربّي وقد وضع للحساب، وكأنّي أنظر إلى أهل الجنّة يتزاورون، وكأنّي أسمع عواء أهل النار في النار...) كما وردت القصّة في عدّة روايات أخرى تختلف فيما بينها اختلافاً طفيفاً، وفي بعضها لم يذكر اسم الصحابي . المترجم
- ابن محبوب، عن أبي محمد الوابشي وإبراهيم بن مهزم، عن إسحاق بن عمار قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله صلّى بالناس الصبح، فنظر إلى شاب من الأنصار وهو في المسجد يخفق ويهوي رأسه، مصفر لونه نحيف جسمه، وغارت عيناه في رأسه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: كيف أصبحت يافلان؟ فقال: أصبحت يارسول الله صلى الله عليه وآله موقنا، فقال: فعجب رسول الله صلى الله عليه وآله من قوله: وقال له: إنّ لكلّ شيء حقيقة، فما حقيقة يقينك؟ قال: إنّ يقيني يارسول الله هو أحزنني وأسهر ليلي وأظمأ هواجري، فعزفت نفسي عن الدنيا وما فيها، حتّى كأنّي أنظر إلى عرش ربّي وقد نصب للحساب وحشر الخلائق لذلك وأنا فيهم، وكأنّي أنظر إلى أهل الجنّة يتنعّمون فيها ويتعارفون على الأرائك متّكئين، وكأنّي أنظر إلى أهل النار فيها معذّبون يصطرخون، وكأنّي أسمع الآن زفير النار يعزفون في مسامعي، قال: فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله لأصحابه: هذا عبد نوّر الله قلبه للإيمان، ثمّ قال: الزم ما أنت عليه، قال: فقال له الشاب: يارسول الله ادع لي أن ارزق الشهادة معك فدعا له رسول الله صلّى الله عليه وآله بذلك، فلم يلبث أن خرج في بعض غزوات النبي صلّى الله عليه وآله فاستشهد بعد تسعة نفر وكان هو العاشر (بحار الأنوار، ج ٦۷، ص ۱۷٤- ۱۷٥). المترجم
