
لقاء الله تعالى يحصل نقدًا لا نسيئة
لماذا ينبغي علينا التركيز على صفة الفضل دون العدل؟ و كيف يُجري الله تعالى عدالته على الإنسان؟ ثم كيف يُمكننا أن نتعامل بالفضل في حياتنا؟ وهل علاقتنا بالله تعالى وثوابه ولقائه هي علاقة نقد أم علاقة نسيئة؟ هي تساؤلات سعى سماحة السيّد قدس سره تعالى إلى معالجتها في هذه المحاضرة الشريفة،.
لقاء الله تعالى يحصل نقدًا لا نسيئة
12حسنًا، فإذا دخل الإنسان بقلبه إلى هذه الأجواء، ما الذي يحصل له؟! وعلى أيّ شيء نطلق اسم الجنّة؟ وعلى ماذا نُطلق اسم النعم الإلهيّة؟ وما الذي نقصده بلقاء الله؟ وما هو المراد من القرب والتجرّد؟! إنّ جميع هذه الأمور قد تحقّقت هنا، لكن يختلف الأمر بالنسبة لكلّ واحد بحسب سعته الوجودية؛ نعم، فالإمام الرضا بحر زاخر يعطي كلّ من يأتيه بحسب استعداده وقابليّته، لا أكثر، وإلاّ فإن أعطاه أكثر، يُصبح ذلك الشخص كن فيكون!۱ بل يُعطيه بنفس درجة قابليّته؛ فأحدهم يعطيه بمقدار فنجان، والآخر بمقدار وعاء، وغيره بمقدار قِدر، وغيره بمقدار جرّة.. وأما أولئك الذين شاهدناهم في زيارتهم، فيأخذهم [الإمام عليه السلام] ويغمسهم في بحره؛ فيكون حسابهم مختلفًا عن الآخرين، حيث تخرج المسألة عن ميزان العطاء والكمّية.
ولهذا، لا يمكن لهؤلاء أن يبيّنوا ما يعرفونه عن الإمام الرضا عليه السلام؛ فماذا عساهم أن يقولون؟ هل يُمكنهم أن يفصحوا عمّا شاهدوه وأحسّوا به عند ذهابهم للزيارة؟ وهل يمكنهم التحدّث بذلك؟ لا! بل إنّ هذه الأمور خارجة عن حدود الكلام؛ لأنّ الإمام الرضا عليه السلام خارج بدوره عن حدود الكلام والبيان؛ كما يقول بنفسه: إنّ أوهام عقولكم لا تستطيع الوصول إلى حقيقة أمرنا!٢فعقولكم كلّها أوهام، وهذه العقول التي تديرون بها الدنيا وتدبّرون بها أموركم المعيشيّة منحصرة في أمور بسيطة ـ كالحمّص واللوبياء والذرة المقليّة والكركم ـ، ولا علاقة لها بنا وبولايتنا، وغير مرتبطة بالحقائق والمكاشفات وأمثال ذلك؛ فهي أوهام بأجمعها!
ثواب كلّ شخص على عمله هي الحالة المعنويّة التي يحصل عليها منه
فهذه الحالة التي تحصل لنا تعني الجنّة، وتعني الحصول على الثواب نقدًا! وعليه، فإنّ جنّة كلّ شخص هي نفس تلك الحالة التي يحصل عليها؛ فعندما ندخل إلى مجلس من مجالس الذكر، فبمجّرد أن نضع أنفسنا في تلك الأجواء، نكون قد حصلنا على جنّتنا نقدًا؛ وعليه، فما الذي يريد أن يتعامل عليه الإنسان؟! وما هي المعاملة التي يريد أن يمضيها الإنسان وينتظر حصولها؟ بمجرّد أن تدخل إلى خيمة سيّد الشهداء يعني أنّك دخلت إلى الجنّة! وفي مقابل ذلك، تقول الآية القرآنية: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحيطَةٌ بِالْكافِرين﴾٣؛ يعني أنّ جهنّم محيطة بتلك الأجواء التي يعيشونها الآن.. تلك الأجواء الظلمانيّة والنفسانيّة، وأجواء النزاعات والاحتيالات، وأجواء التخطيط للإيقاع بهذا وذاك، واتّهام هذا وذاك، وأجواء الخداع والكذب.. ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحيطَةٌ﴾؛ فلو لم تكن هناك جهنّم، لما كذب ذاك ولما خدع، ولما سرق وأكل مال الناس؛ ولو لم يكن في جهنّم، لما أخذ أموال الناس وفرَّ بها!! إذًا هو في جهنّم، وليس في الجنّة! فهل في الجنّة أشخاص يسرقون أموال الناس ويفرّون بها؟! وهل إنّ من يكون في الجنّة يكذب؟ لا يوجد أيّ تناسب بين الأمرين!
- أي يتحوّل بشكل مفاجئ. المترجم
- الطَّالَقَانِيُّ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْهَارُونِيِّ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ مُوسَى عَنِ الْحَسَنِ بْنِ قَاسِمٍ الرَّقَّامِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: كُنَّا فِي أَيَّامِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا عليه السلام بِمَرْوَ، فَاجْتَمَعْنَا فِي مَسْجِدِ جَامِعِهَا فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ فِي بَدْءِ مَقْدَمِنَا فَأَدَارَ النَّاسُ أَمْرَ الْإِمَامَةِ وذَكَرُوا كَثْرَةَ اخْتِلَافِ النَّاسِ فِيهَا فَدَخَلْتُ عَلَى سَيِّدِي ومَوْلايَ الرِّضَا عليه السلام، فَأَعْلَمْتُهُ مَا خَاضَ النَّاسُ فِيهِ؛ فَتَبَسَّمَ ثُمَّ قَالَ: يَا عَبْدَ الْعَزِيزِ، جَهِلَ الْقَوْمُ وخُدِعُوا عَنْ أَدْيَانِهِمْ؛ إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وتَعَالَى لَمْ يَقْبِضْ نَبِيَّهُ صلّى الله عليه وآله وسلّم حَتَّى أَكْمَلَ لَهُ الدِّينَ... هَلْ يَعْرِفُونَ قَدْرَ الْإِمَامَةِ ومَحَلَّهَا مِنَ الْأُمَّةِ فَيَجُوزَ فِيهَا اخْتِيَارُهُمْ؟ إِنَّ الإِمَامَةَ أَجَلُّ قَدْرًا وأَعْظَمُ شَأْنًا وأَعْلَى مَكَانًا وأَمْنَعُ جَانِبًا وأَبْعَدُ غَوْرًا مِنْ أَنْ يَبْلُغَهَا النَّاسُ بِعُقُولِهِمْ أَوْ يَنَالُوهَا بِآرَائِهِمْ... فَمَنْ ذَا الَّذِي يَبْلُغُ مَعْرِفَةَ الْإِمَامِ ويُمْكِنُهُ اخْتِيَارُهُ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ ضَلَّتِ الْعُقُولُ وتَاهَتِ الْحُلُومُ وحَارَتِ الْأَلْبَابُ وحَسَرَتِ الْعُيُونُ وتَصَاغَرَتِ الْعُظَمَاءُ وتَحَيَّرَتِ الْحُكَمَاءُ وتَقَاصَرَتِ الْحُلَمَاءُ وحَصِرَتِ الْخُطَبَاءُ وجَهِلَتِ الْأَلِبَّاءُ وكَلَّتِ الشُّعَرَاءُ وعَجَزَتِ الْأُدَبَاءُ وعَيِيَتِ الْبُلَغَاءُ عَنْ وَصْفِ شَأْنٍ مِنْ شَأْنِهِ أَوْ فَضِيلَةٍ مِنْ فَضَائِلِهِ ... (بحارالأنوار، ج ٢٥،ص ۱٢۱ ـ ۱٢٤). المترجم
- سورة التوبة (٩)، مقطع من الآية ٤٩ وسورة العنكبوت (٢٩)، مقطع من الآية ٥٤.
