
هل نحن نتعامل مع الله بعدله دون أن نشعر؟
ما معنى كلّ من العدل والفضل؟ وما هي عواقب معاملة الله تعالى إيّانا بعدله؟ وما هو سرّ تعاطينا القاصر مع الله تعالى؟ وهل ينبغي السلوك إلى الله تعالى بنظرة فضليّة فقريّة أم بنظرة عدليّة تجاريّة؟ هي أسئلة سعى سماحة السيّد قدس سره تعالى إلى معالجتها في هذه المحاضرة الشريفة، متعرّضًا في ضمن ذلك لمجموعة من القصص المعبّرة عن الأولياء والعظماء.
هل نحن نتعامل مع الله بعدله دون أن نشعر؟
9[أنا الذي صرت ملولاً من أنفاس الملائكة]؛۱
يعني: أنا لا أريد أن أراها، ولا أريد أن أنظر وألتفت إليها، وأنا أعيش فعلاً مثل هذه الحالة! وهو يشير إلى حالة النبيّ، وإن كان يعيش هو أيضًا مثل هذه الحالة، لكنّه يشير إلى حال النبيّ عندما كان في غار حراء مختليًا بربّه، وكان يعتزل هناك أربعين يومًا فأربعين يومًا، وكان في ذلك الغار هو والله فقط، وكان يوصل الليل بالنهار والنهار بالليل بذلك.. فحينما يقول الخواجة حافظ ذلك، فإنّه يعني أنّ مثل هذا الشخص صار يملّ من نَفَس الملائكة، ويريد أن ينمحي حصرًا في الذات الإلهيّة، ولا يريد التنازل حتّى إلى مرتبة الأسماء والصفات مع جمالها العجيب ـ بحيث لو وُزّعت ذرّة من ذلك الجمال على جميع موجودات عالم الدنيا، لصار كلّ واحد منها يوسف بن يعقوب ـ ؛ إذ يحصل له الملل بهذا التنازل. ويبقى أنّنا نستمع إلى هذا الكلام فقط، وقد يكون سماعنا عنه لأوّل مرّة، لكنّ هذه الأمور موجودة فعلاً! فالنبيّ الأكرم عندما كان في غار حراء، لم يكن قادرًا على الحديث حتّى إلى الملائكة! ففي حالاته الخاصّة، كان حديثه حتّى إلى الملائكة يهبط به للأسفل، ويُنزله عن موقع الذات إلى مراتب الأسماء والصفات؛ فمن الذي يرضى بمثل هذا الأمر؟! من يرضى بذلك؟ كأن أن يكون لدى الإنسان أجمل امرأة في العالم، ومع ذلك يأتي شخص ويقول له: دعك من هذه المرأة وتعال إلى امرأة أخرى قبيحة ـ وليس المراد أن تكون قبيحة المنظر، بل يعني أنّ جمالها عادي ـ ، واجلس إليها؛ فهل يمكنه القيام بذلك؟ وهل ستكون لديه الرغبة بذلك؟ وهل سيرضى بهذا الأمر؟
لقد كانت لدى النبيّ في علاقته بالذات الإلهية مثل هذه الحالة، حيث كان يعتبر التحدّث حتى إلى جبرائيل منزلاً له عن تلك المرتبة! ولم يكن باستطاعته القبول بذلك، فكان يقول لجبرائيل: انتظر حتّى أنزل قليلاً، وبعد ذلك تحدث إليّ، ولا تحدّثني وأنا هناك؛ ففي تلك المرتبة، لا شأن لك بي، ولا تتبعني، ولا تقترب منّي؛ والحال أنّ جبرائيل هو من يُفاض من خلاله علمُ جميع ما سوى الله، وبواسطته يوحى إلى جميع الأنبياء، وهو الذي يفيض العلم على جميع الموجودات.. فجبرائيل هذا يقول له النبيّ: لا تقترب! ابتعد! ولا تتقدّم!
- *** مصرع من بيت شعري؛ هذا نصّه:(والمعنى: أنا الذي صرت ملولًا من أنفاس الملائكة، تحمّلت لأجلك كلام الناس جميعاً)؛ راجع: أسرار الملكوت،ج ۱، ص ۱٩٥. المترجم
من كه ملول گشتمى از نفس فرشتگان *** قال ومقال عالمى مى كشم از براى تو
- *** مصرع من بيت شعري؛ هذا نصّه:
