
هل نحن نتعامل مع الله بعدله دون أن نشعر؟
ما معنى كلّ من العدل والفضل؟ وما هي عواقب معاملة الله تعالى إيّانا بعدله؟ وما هو سرّ تعاطينا القاصر مع الله تعالى؟ وهل ينبغي السلوك إلى الله تعالى بنظرة فضليّة فقريّة أم بنظرة عدليّة تجاريّة؟ هي أسئلة سعى سماحة السيّد قدس سره تعالى إلى معالجتها في هذه المحاضرة الشريفة، متعرّضًا في ضمن ذلك لمجموعة من القصص المعبّرة عن الأولياء والعظماء.
هل نحن نتعامل مع الله بعدله دون أن نشعر؟
11وعلى النبيّ أن يأتي إلى هؤلاء واحدًا واحدًا، وينزع هذه الأصنام من نفوسهم، ويستخرجها من بواطنهم، وأمّا الأصنام الخارجيّة، فقد حطّمها في اليوم الأول وانتهى الأمر، لكن وصلت النوبة الآن إلى هذه، وعليه أن يستخرجها واحدة واحدة؛ هذا إن كان بإمكانِها الخروج، فقد تطبق السماء على الأرض دون أن تخرج هذه الأصنام!! ثمّ هناك بعد ذلك مسألة الغدير والأمور التي حصلت بعدها؛ فهذه المؤامرات والمخطّطات والجلسات التي عُقدت بعد حادثة الغدير كلّها كانت موجودة في الداخل، لكنّ النبيّ لم يستطع أن يستخرجها، لا لعدم قدرته على ذلك، بل لأنّه كان يُؤدّي التكليف الملقى على عاتقه فقط؛ فكان يقول: بإمكانك أن تستخرج هذا الصنم، ولا تقل ليس بإمكاني ذلك وتضع إحدى رجليك على الأخرى! لقد بيّن لك الطريق، ووضّح لك السبيل؛ فيمكنك من خلال ذلك أن تخرج هذا الصنم، وتخلّص بذلك نفسك، وتُريحها! وإلاّ لو كان ذلك غير ممكن بالنسبة إليك، لكانت شريعته مختصة بمجموعة خاصّة من الناس؛ والحال أنّها للجميع.
طريق الله مفتوح للجميع لكنّه مشروط بالرغبة والاختيار
فعندما يذهب النبيّ إلى مكّة، ويُعلن للجميع بأنّ منزل أبي سفيان هذا ـ الذي كان رأس الفتنة ـ هو مأمنٌ لجميع المشركين، ماذا يعني ذلك؟ يعني: يا أبا سفيان، أنت لا تختلف بالنسبة لي عن سلمان! فإن جئت، صرت سلمانًا بدورك، وإن جئتَ، صرتَ أبا ذرّ، وصرت مقدادًا! فنفس أبي سفيان يصير هو المقداد! فإن كنت تريد ذلك، أريك كيف تتخلّص من أصنامك واحدًا بعد الآخر، وأُخرج ما في قلبك حتّى تصير سلمانًا بكلّ سهولة! أمّا هو، فيقول: لا، بل أريد أن أُبقي هذه الأصنام الموجودة في داخلي كما هي، وأستأنس بها! وأريد أن ألتذّ بهذه الأصنام الموجودة في داخلي، وآنس بها من الصباح إلى المساء؛ فيقول له النبيّ: حسنًا، كما تريد! لقد أخبرتك، وقلت لك أنّه بإمكانك أن تصير سلمانًا، ويمكنك أن تصير مقدادًا وعمّارًا! فمن قال بأنّ هؤلاء لم يكونوا في أوّل الأمر مثل أبي سفيان؟ من قال؟ هل خرج عمّار من بطن أمّه كما هو؟ نعم، في ذلك الوقت [الطفولة] كان لديه نوع من أنواع الطهارة الذاتية، والتي لا تُسمّى عصمةً! فهل إنّ هؤلاء لم يرتكبوا في حياتهم ذنبًا أبدًا؟ من المحتّم أنّهم ارتكبوا ذنوبًا كسائر الأشخاص، لكن مع اختلاف في الشدّة والضعف؛ فهل أنّهم لم يكذبوا في حياتهم، ولم يفعلوا حرامًا ولو مرّة واحدة؟ بل كانوا يفعلون، لكنّهم كانوا يتوبون، وإلاّ لمن وضع الله التوبة؟ فيبقى الكلام حول: هل يريد الإنسان ذلك، أم لا؟ وهنا يأتي الاختيار؛ فإن أراد الإنسان ذلك، فقد بيّن له النبيّ الطريق، وبيّن له الأئمةُ والأولياء والعظماء الطريقَ: هيّا، توكّل على الله، وأخرج [كلّ تلك الأصنام]! فطريق الإخراج موجود، والإنسان يعلم بذلك ومطّلع عليه؛ فقد درس كلّ ذلك، لكنّه لا يعمل! هذه هي المصيبة! ﴿بَلِ الإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصيرَة ، وَ لَوْ أَلْقى مَعاذيرَه﴾، فكلّ شخص يعرف جيّدًا أين تكمن نقطة ضعفه!
