
ماذا يعني الهرب إلى الله ؟
ورد في هذه الفقرة عبارة (وَأَنَا يَا سَيِّدِي عَائِذٌ بِفَضْلِكَ هَارِبٌ مِنْكَ إِلَيْكَ) ، كما ورد نظير هذا المعنى في العديد من الآيات و الروايات، فما هي حقيقة الهرب إلى الله تعالى؟ و كيف نعرف مدى تحقّق ذلك في أنفسنا؟
ماذا يعني الهرب إلى الله ؟
الوصف:
ورد في هذه الفقرة عبارة (وَأَنَا يَا سَيِّدِي عَائِذٌ بِفَضْلِكَ هَارِبٌ مِنْكَ إِلَيْكَ) ، كما ورد نظير هذا المعنى في العديد من الآيات و الروايات، فما هي حقيقة الهرب إلى الله تعالى؟ و كيف نعرف مدى تحقّق ذلك في أنفسنا؟
ماذا يعني الهرب إلى الله ؟
7حسناً، لقد سأل هذا الأخ: بأن هذا الأمر يتنافى مع عزّة نفس المؤمن؛ إذ المؤمن عزيز، فكيف يمكن الجمع بين هذا الكلام وبين قولك بأن والدك فعل هذا الفعل، والحال أن المؤمن عزيز وله كرامة وماء وجه؟ فذهابه مرة واحدة كافٍ؛ فهو لا يطلبه بشيء حتى يكرّر الذهاب إليه، ولا شيء له عليه، خصوصاً مع ملاحظة أنّه كان عالماً وله مكانته الخاصّة وذاك رجلاً عادياً؛ وعليه، كيف يتوافق هذا مع عزّة المؤمن ومناعة طبعه؟ حسناً، أعتقد بأنّه لا يوجد إشكال في الجواب عن هذا السؤال؛ فتارة يشعر الإنسان بضرورة هذه المسألة، وكذا في سائر الموارد الأخرى: في صلة الأرحام والارتباط بالرفيق وبقيّة الأشخاص، وبعض الأمور التي تحصل؛ ففي الواقع، كان يسأل ذلك الأخ عن المعيار في هذه المسألة، ومتى نُقدم ومتى لا نُقدم؟ وإلى أين نذهب وأين لا نذهب؟ إنّ المعيار في ذلك هو: ـ التفتوا جيداً فالمسألة دقيقة جداً وما أقوله لكم هو ما سمعته من العظماء فيما يرتبط بهذا الأمر ـ إذا شعر الإنسان بأنّ ذلك الشخص ـ حينما حصل بينهما شيء وتكدّرت العلاقة بينهما ـ قد وضع نفسه في موقف نفساني، بحيث إنّ الذهاب إليه يوجب زيادة نفسانياته وأنانيته وتكبره، فهنا لا ينبغي أن يذهب الإنسان إليه، فغاية الأمر أنّ خطأً ما قد حصل، وعليه أن يتجاوز عنه، فنحن لم نأت إلى هذه الدنيا معصومين؛ فتلك العصمة والبراءة التي كانت لدينا حالة الطفولة قد انتهت، وهي لا تجدي شيئاً؛ لأنّها عصمة غير اختيارية. فإذاً، نحن غير معصومين وقد نشتبه؛ فسواء قلنا بأن فوق عينك حاجب أو لم نقل، ففي النهاية لدى كلّ واحد منّا حاجب فوق العين!! فلم يحدث شيء مهمّ، وينبغي إنهاء الأمر [والخلاف]. وأمّا إذا شعر الإنسان أن نفسيّة الطرف المقابل غير قادرة على رفع هذه الكدورة.. انظروا، هنا توجد مسألة دقيقة! فلا تقل مع نفسك بأنّه لا قدرة لك على الأمر، بل إنّ هذا ضعف منك؛ فبما أنّك ضعيف هنا وغير قادر، ولا تملك الجدارة والأهليّة، ولا ترى هذه القدرة فيك تقول: لماذا ينبغي عليّ أن أذهب أنا؟ لماذا لا يأتي هو؟ فهذا ليس بسبب قدرتك وعظمتك، بل بسبب عجزك وصغرك ودنوّ همّتك، ولأجل عدم أهليّتك.. وكلّها أمور سلبيّة؛ إذ لا يوجد في ذلك أي أمر إيجابي. حسناً، فإن شعر الإنسان بمواجهته لمثل هذا الشخص في هذه القضيّة، فعليه أن يقدم هو على هذا الفعل؛ لكي يعمل على تعويض الضعف الموجود في الطرف المقابل بقوّته هو، فإن ذهبت أنا إلى منزل فلان، فمعناه أنّني أنا القوي، لا أنّني ضعيف! وأمّا الناس، فيقولون: انظروا إلى هذا ذهب إلى منزل ذاك! هذا لأجل قوّته ذهب إلى منزل ذاك، وذاك لضعفه وعدم جدارته بقي في مكانه؛ فهذا لقوّته يذهب ويطرق الباب، وذاك لضعفه لا يمكنه أن يقدّم جواباً! هذا يمكنه أن يجبر المسألة لوجود استعداد لديه، وذاك لا يتقبّلها وتأنف نفسه عنها بسبب ضعفه وخسّته.. فالناس والعرف ينظرون إلى المسألة بأنّ هذا ذهب إلى منزل ذاك، وذاك جالس في منزله يقول: "هذه المرّة الأولى التي يأتي فيها، فلندعه يأت مرّة ثانية وثالثة و..."! ويبدأ يلوي برأسه هكذا كالديك الرومي، لكنّه لا يعلم بأنّه عندما يفعل ذلك، فإنّ لسان حاله يقول: "أنا أفتقد للأهليّة، أنا خسيس، أنا ضعيف، أنا ناقص!"؛ وهو يظنّ أنّه عظيم. وذاك يذهب إليه، والحال أنّه لا يقلّ عنه قيمة، فخلاياه كخلاياه، وكذلك دمه، إن لم يكن أكثر منه! ووضعيّته مثله، بل أفضل منه؛ فشخصيّةٌ كشخصيّةِ المرحوم العلاّمة أين، وهذا أين؟ لا ربط بينهما! ومع ذلك يأتي المرحوم العلاّمة مع ما يمتلكه من مكانة ومنزلة إلى منزل ذلك الشخص، ويطرق الباب، فلا يفتح له، ويتبسم قائلًا: لقد جاء إلينا ولم نفتح له! ويفرح بأنّه قد خرج منتصراً من هذه المعركة، وظنّ أنه استطاع بخياله أن يحطّ ـ نوعًا ما ـ من قدر الطرف المقابل، لكنّه لا يعلم بأنّه هو المغبون في ذلك! فهذا صار مخدوعًا ومغبونًا، وذاك ارتفع درجة؛ ككفّتي الميزان حين تتغلّب إحداهما على الأخرى، فهذا استطاع بذهابه أن يتجاوز العديد من التعلّقات، ويقطع مسائل وبوادي ومشاكل عويصة بين نفسه وبين التعلّق بالدنيا والتوغّل في الكثرات؛ فبذهاب واحد استطاع أن يحصل على آثار عشر سنوات من صلاة الليل، بل أكثر؛ فليس بإمكان صلاة الليل أن تفعل ذلك، نعم، هي تساعده على هذا الفعل، فلا نريد أن نستخفّ بصلاة الليل؛ لأنّها تساعده على ذلك، لكن على الإنسان أن يأتي إلى الآثار التي تحصل له من صلاة الليل وإلى تلك البوارق، فيترجمها عمليًّا في الخارج وفي المجتمع وفي علاقته مع الأشخاص؛ كي تترك تأثيرها الحقيقي على النفس. وأما مجرّد أداء صلاة الليل، فلا يكفي، وصرف قراءة القرآن لا يكفي؛ لأنّ القرآن يعلّمنا: ﴿ادْفَعْ بِالَّتي هِيَ أَحْسَن﴾۱، فالقرآن عبارة عن وصفة طبيب؛ فمن الذي ينبغي أن يعمل بها؟!! فعندما تذهب إلى الطبيب وتأخذ الوصفة منه وتضعها في جيبك، سوف يبقى المرض لديك ولن تتحسنّ صحّتك! وعليه، يجب علينا أن نعلم بأنّه إذا فعلنا مثل هذا الأمر، وأقدمنا على هذا الفعل المخالف للنفس.. فهذا الفعل مخالف للنفس، إذ الناس لا تفعل ذلك عادة، ونحن نرى هذه المسألة في أنفسنا، فلماذا نذهب بعيداً؟!! وعلينا ألاّ نداهن، فهذه القضيّة متحقّقة فينا، والرفقاء يعلمون بأنّ البناء في هذه المجالس على أن نتحدث كلاماً أخويّاً، ونترك المداهنة جانباً؛ فنحن في نهاية الأمر، نريد أن نحصل على فائدة، لا أن نأتي ونجلس إلى بعضنا فقط، ونُصغي إلى كلام العظماء وبما سمعناه منهم، وليس فقط سمعناه منهم، بل كنّا نراهم يطبّقون ذلك عملياً بأنفسنا؛ سواء في علاقتهم بمعارفهم أم في علاقتهم برفقائهم؛ وقد كان ذلك عجيباً جدًّا!
- جزء من الآية ٣٤ من سورة فصلت.
