
شهر رمضان فرصة لا تعوّض و غنيمة لا تفوّت
تختلف نظرة العرفاء عن غيرهم بالنسبة للصوم و لشهر رمضان، فأهل المعرفة يرون بأنّ شهر رمضان فرصة استثنائية و نعمة كبرى منّ الله بها على الإنسان، و أن على الإنسان أن يغتنمها و يستغلّها بأحسن ما يمكن، فكيف يمكن اغتنامها ؟ و ما هي الامور التي تحرم الإنسان من بركات هذا الشهر ؟ هذه بعض المواضيع التي تحدّث عنها سماحة آية الله السيّد محمد محسن الحسيني الطهراني في هذه المحاضرة الأولى من المحاضرات التي يلقيها في ليالي شهر رمضان في شرح دعاء أبي حمزة الثمالي. و من الجدير بالذكر أن سماحته سيشرع هذا العام في شرح الفقرة التالية من الدعاء الشريف: (وأنا يا سيّدي عائذٌ بفضلك هاربٌ منك إليك متنجِّزٌ ما وعدت من الصّفح عمّن أحسن بك ظنّاً)
شهر رمضان فرصة لا تعوّض و غنيمة لا تفوّت
16ولكن لو أنّ الإنسان أراد في شهر رمضان أن يسافر لكيّ لا يصوم! حينئذٍ، هذا العمل يصبح عملًا محرّمًا! لا يشتبه عليكم الأمر، ففي بعض الأحيان يسافر الإنسان لداعٍ ما ولغرضٍ معيّن يريد تحقيقه، وعندها يشمله حكم الآية، ﴿فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَريضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، لكنّني رأيت أنّ البعض اشتبهوا، فأفتوا بفتوى خاطئةٍ، مثلًا: يقولون سيدنا، نحن لا نريد أن نصوم، فيقول: سافر، ثمّ اقض يومًا آخر. و هذا خطأ؛ فهذا السفر سفرٌ محرّم، وصومه لم يبطل، يعني: الذي يسافر لهذا الغرض لا يبطل صومه [ولا يجوز له أن يفطر]؛ لأنّه سافر من أجل أن يتخلّص من الصيام، لا أنّه كان يريد السفر مسبقًا، بل سفره كان من أجل الوقوف بوجه الواجب المطلقّ! وهذا السفر سفرٌ محرّمٌ، وحكمه كحكم أيّ سفرٍ محرّم، فلا تصبح صلاته قصرًا، كذلك من يسافر بهذا النحو ليسقط الصوم فسفره حرامٌ، وصيامه ليس باطلاً ولا يسقط، بل ينبغي أن يعود وأن يصوم.
نعم، بعض الأحيان يكون لدى الإنسان سفرٌ من أجل العمل، أو ليرى شخصًا ما، أو هناك ضرورةٌ تقتضي أن يسافر؛ فهنا لا إشكال في ذلك، وينبغي عليه أن يقضيه في يومٍ آخر.
إذن بناء على ذلك، حكم هذا الأمر من الناحية الفقهيّة كما بيّنا، ولكن أنا أريد أن أقول لكم أمرًا آخر و هو أنّه: انظروا كم تختلف نظرة أهل المعرفة للأمور عن نظرة الآخرين؟! فالنبيّ صلى الله عليه وآله يقول: «فَإِنَّ الشَّقِيَ مَنْ حُرِمَ غُفْرَانَ اللَّهِ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْعَظِيم»۱، فالشقي و البائس هو الإنسان الذي يحرم نفسه من نعمة الصوم وبركاته، فهذا هو معنى الرواية، ومن جهة أخرى يأتي الحقير [مثلًا] ويقول: (اكسر صومك، فلا بأس بذلك، سافر واكسر صيامك، وكرّر ذلك حتّى ينتهي شهر رمضان.. سافر غدًا و بعد غدٍ إلى ثلاثين يومًا، ثمّ بعد ذلك اذهب واقضِها في وقتٍ آخر!) كم هو الاختلاف بين النظرتين للأمر؟! هل يمكن أن نقول: (إنّ هذا الحكم حكمٌ إلهي)؟! كيف والنبي يقول: من يأتي عليه شهر رمضان ولا يستفيد منه فهو شقيٌّ؟!، هذه الرؤية للأمور هي رؤية أهل المعرفة، وهي نظرة النبيّ، وهي نظرة الهداة، نظرة من بإمكانهم أن يهدوا الإنسان ويوصلوه، هذه نظرتهم.
- الأمالی للصدوق، ص ٩٣.
