
شهر رمضان فرصة لا تعوّض و غنيمة لا تفوّت
تختلف نظرة العرفاء عن غيرهم بالنسبة للصوم و لشهر رمضان، فأهل المعرفة يرون بأنّ شهر رمضان فرصة استثنائية و نعمة كبرى منّ الله بها على الإنسان، و أن على الإنسان أن يغتنمها و يستغلّها بأحسن ما يمكن، فكيف يمكن اغتنامها ؟ و ما هي الامور التي تحرم الإنسان من بركات هذا الشهر ؟ هذه بعض المواضيع التي تحدّث عنها سماحة آية الله السيّد محمد محسن الحسيني الطهراني في هذه المحاضرة الأولى من المحاضرات التي يلقيها في ليالي شهر رمضان في شرح دعاء أبي حمزة الثمالي. و من الجدير بالذكر أن سماحته سيشرع هذا العام في شرح الفقرة التالية من الدعاء الشريف: (وأنا يا سيّدي عائذٌ بفضلك هاربٌ منك إليك متنجِّزٌ ما وعدت من الصّفح عمّن أحسن بك ظنّاً)
شهر رمضان فرصة لا تعوّض و غنيمة لا تفوّت
14﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذينَ مِنْ قَبْلِكُم﴾ لم يقل الله: إنّ الصوم "واجب" أو "لازم" أو "لا يجوز تركه"، بل يقول: "كتب عليكم"! و هذا التعبير غاية في التأكيد على الإلزام بالأمر، فيقال مثلاً: هذا الأمر مكتوب عليك، وهذا الأمر مختوم ومكتوب، الكتابة تعني أن المسألة صارت أمراً محتوماً، و من يظهر أنّ الصوم واجب مطلق، وليس مشروطاً؛ بحيث يمكن للإنسان أن يترك الصوم.
الواجب المطلق هو الواجب الذي يجب على الإنسان أن يقدم عليه من تلقاء نفسه و يتحرّك إليه، كما هو حال الصلاة مثلاً، يعني: إذا جاء وقت صلاة الصبح، فيجب عليكم أن تصلّوا الصبح خلال هذا الوقت، وإذا رأيتم أنّكم إذا قتم بعملٍ ما، فإنّ ذلك العمل سيسبّب فوات الصلاة، لتصبح قضاءً، فإنّ ذلك العمل المانع يصبح حرامًا. هل صار الامر واضحًا؟ لا ينبغي أن يتصوّر الأمر بنحوٍ خاطئ بأنّ الصلاة قبل حلول الوقت ليست واجبةً بعدُ، فوقت الصلاة ليس من شروط الوجوب، بل من هو شرط وجوديّ، و هو من [العلل] المعدّة، فشرط وجود الواجب هو حصول طلوع الفجر، أو زوال الشمس، أو غياب الشمس، وهي ليست شرط وجوب.
ففي شرط الوجوب، يمكن للإنسان أن يقوم بعملٍ ليمنع حصول الشرط، [وبالتالي يسقط الواجب عنه من رأسً]، وهذه مسألةٌ أخرى، مثلًا: صلاة الآيات التي تجب عند حصول الزلزال، فقد يعلن بعض الأفراد، وترصد الآلات أنّه ـ مثلًا ـ بعد ساعة من الآن سيحصل زلزال هنا في قم، عندها يمكن للأفراد أن يغادروا إلى طهران قبل حصول الزلزال، وعندما يذهبون إلى طهران، يسمعون أنّ هناك زلزالاً قد وقع في قم، فهؤلاء لا يجب عليهم أن يصلّوا صلاة الآيات، لماذا؟ لأنّ شرط الوجوب لم يتحقّق بالنسبة لهم بعد، فصلاة الآيات واجبة على من كان في قم، وأحسّ بالزلزال، لكنّه يمكن للإنسان أن يدفع عن نفسه تحقّق هذا الشرط [من خلال السفر]، يمكن له ذلك، أو مثلًا يعلنون أنّه سيحصل في هذا النصف من الكرة الأرضيّة خسوفًا للقمر، فيركب الإنسان الطائرة ويغادر إلى مكانٍ يكون القمر قد خرج من خسوفه فيه، ولم يعد هناك من خسوفٍ لتلك المنطقة، فهذا الإنسان لا يجب عليه أن يصلّي صلاة الآيات حينئذٍ؛ لأنّ شرط وجوبها لم يتحقّق بحقّه، لأنّه غادر قبل تحقّق الشرط.. فرّ من الخسوف، ولا مشكلة في ذلك، وليس في ذلك أيّ معصيةٍ أبدًا، فهو لم يُرد أن يصلّي صلاة الآيات هناك، فلا بأس في ذلك، والله لا يحاسبه، ولكن إذا قمت أنت قبل صلاة الظهر، وأخذت حقنةً أو شربت قرصًا، وهي تبعث على النوم عدّة ساعات، بحيث ستصبح صلاتك قضاءً، فهذا العمل يصبح عملًا محرّمًا، لماذا؟ لأنّ وجوب صلاة الظهر ليس وجوبًا مشروطًا، بحيث لو زالت الشمس تصبح واجبةً وإذا لم تزل فهي ليست واجبةً، بل صلاة الظهر واجبةٌ على كلّ حالٍ، غاية الأمر أنّ شرط وجودها هو الزوال، فيقولون: الآن عليك أن تصبر ولا تصلّي حتّى يتحقّق، لا تصلّ قبل نصف ساعة أو عشرين دقيقة أو عشر دقائق، بل عندما يحصل الزوال عندها يتحقّق شرط وجودها، يعني: هو مِن المقدّمات الوجوديّة، عندها يصبح وقت صلاة الظهر، والصيام له نفس الحكم.
