
حيثيتي الربوبيّة والعبوديّة في الإمام والولي
ما معنى طلب الإمام عليه السلام مقام الولاية من الله تعالى مع تحقّقه بالولاية الكلّية؟ كيف يراعي الإمام عليه السلام حيثيتي الربوبيّة والعبوديّة في نفس الوقت؟ متى تتجلّى حيثيّة الربوبيّة في الإنسان؟ هل للأنبياء عليهم السلام والأولياء تكامل حتّى بعد الوصول للقاء الله تعالى ومرحلة البقاء؟ هي أسئلة سعى سماحة السيّد قدس سره تعالى للإجابة عنها في هذا المجلس الشريف؛ بالإضافة إلى ذكر بعض النكات والملاحظات الأخرى؛ نظير وصيّة المرحوم العلاّمة لتلامذته فيما يختص بما بعد شهر رمضان المبارك.
حيثيتي الربوبيّة والعبوديّة في الإمام والولي
9لقد كان المرحوم العلاّمة في ذلك الوقت متواجداً في كربلاء، حيث تصادف وقوع هذا الأمر مع وجوده هناك؛ وقد ذكر تلك الحكاية لجمع من الأصدقاء وكنت في وقتها صغيراً، حيث حصل ذلك قبل ما يقارب الخمسين عاماً، وذلك على عهد عبد السلام عارف أو غيره.. لقد حصل هذا الأمر في تلك الفترة على أيّة حال. كان المرحوم العلاّمة يقول: كنَّا جالسين عند السيّد الحداد، إذ رفع رأسه قائلاً: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَديرٌ﴾۱، فخرج ذلك الشخص ـ وهو عبد الجليل ـ من المنزل، ثمّ عاد ليقول: لقد رفعوا الحصار، وانتهت الأزمة.
من فعل ذلك الأمر؟ لقد فعله العارف! أين انتم يا من تتصدّرون المقامات العليا من الجنّة٢؟! تفضّلوا.. ها هي الكرة، وهذا هو الميدان!٣ ففي وقت الرفاه، تكتبون عن العرفاء على أنَّهم كافرون لأنَّهم يؤمنون بوحدة الوجود، وعند الشدة والحصار، تتوسّلون بهم؛ ليكن لديكم إنصاف! فالإنصاف شيء جيّد. ألم يكن الأولياء يفعلون ذلك؟ نعم، كانوا يفعلونه، ولكن من هو مصدر تلك القدرة؟ فذلك الذي يقول الآن: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَديرٌ﴾، من أين اكتسب تلك القدرة التي قام بإنزالها من العوالم العلويّة وألقاها في أذهان أولئك [المتسلِّطين] لكي يقوموا بالاتّصال بأعوانهم لرفع الحصار؟! من هو مصدر تلك القدرة؟ إنَّ مصدرها هو الله؛ فالسيّد الحداد لا يمتلك تلك القدرة، بل لا يمتلك أن يدفع عن نفسه بعوضة واحدة! فهذا هو نهجه، ومدرسته مبنيّة على ذلك؛ غير أنَّنا لا نريد أن نقبل هذا الأمر، فترانا نقول: كانت تلك قدرتك، فأنت الذي قمت بالدعاء، وقد تحقّق هذا الأمر نتيجة لدعائك؛ فنكون بذلك قد وضعنا الله ـ ذلك المظلوم المسكين ـ جانباً! فكانوا يقولون: لقد رُفع الحصار بفعل دعاء السيّد الحدّاد! لماذا تقولون ذلك؟ لماذا لا تقولون بأنَّ الله هو الذي فعل ذلك؟ على أنَّ السيّد الحدّاد لا يُسعَد عندما يسمع ذلك، بل على العكس، فهو يتألّم من هذا الكلام.. كان يقول لأمثال هؤلاء: متى يفهم رأسك الأجوف هذا الأمر؟ متى يفهم بأنَّني لم أفعله؟ كان يقول ذلك، وكنَّا نسمع منه هذا الكلام، وكان يقول: متى يصبح رأسك هذا رأس آدميّ؟ متى تُصدّق بكلّ ما أقول وتعتبره كلاماً واقعيّاً؟ هل سيكون لهذا الأمر أجل معلوم؟ ومع ذلك فهم يقولون: كان ذلك بفعل دعاء السيّد الحدّاد! بينما يكون أقصى ما فعله السيّد الحدّاد هو أنَّه وصل إلى مقام أصبح معه صفراً! فذلك هو الدور الذي قام بإنجازه، وتلك هي مهارته وحذاقته.
- سورة البقرة (٢)، جزء من الآية ٢۰.
- كناية عن الأشخاص المدّعين. المترجم
- كناية عن التحدّي. المترجم
