
حيثيتي الربوبيّة والعبوديّة في الإمام والولي
ما معنى طلب الإمام عليه السلام مقام الولاية من الله تعالى مع تحقّقه بالولاية الكلّية؟ كيف يراعي الإمام عليه السلام حيثيتي الربوبيّة والعبوديّة في نفس الوقت؟ متى تتجلّى حيثيّة الربوبيّة في الإنسان؟ هل للأنبياء عليهم السلام والأولياء تكامل حتّى بعد الوصول للقاء الله تعالى ومرحلة البقاء؟ هي أسئلة سعى سماحة السيّد قدس سره تعالى للإجابة عنها في هذا المجلس الشريف؛ بالإضافة إلى ذكر بعض النكات والملاحظات الأخرى؛ نظير وصيّة المرحوم العلاّمة لتلامذته فيما يختص بما بعد شهر رمضان المبارك.
حيثيتي الربوبيّة والعبوديّة في الإمام والولي
5لقد كان المرحوم العلاّمة يقول: كان المرحوم الشيخ حسين الحلِّي من العظمة بحيث إنَّه عندما كان يصل إلى المواضيع المرتبطة بالعرفاء وحالاتهم وبأولئك العظماء، كان يُبدي التواضع والتصاغر والتذلّل أمامهم، إلى الدرجة التي كنَّا نعتقد بأنَّ تلك الألفاظ والتعابير التي يستخدمها تشوبها شائبة من التظاهر والتصنّع.
فعندما يتمعّن الإنسان في تلك الرواية الواردة في كتاب الاجتهاد والتقليد والمرويّة عن الإمام الصادق عليه السلام «فَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَ الفُقَهَاءِ صَائِناً لِنَفْسِهِ، حَافِظاً لِدِينِهِ، مُخَالِفاً عَلَی هَوَاهُ، مُطِيعاً لأمرِ مَوْلاَهُ، فَلِلْعَوَامِّ أَنْ يُقَلِّدُوهُ»۱، يُلاحظ الفرق بين ما يتحدّث عنه الإمام وبين واقع حالنا والأجواء التي نعيشها؛ فيضحك الإنسان على حاله؛ وعلى حدّ قول القائل: لقد فرغت من البكاء على سوء حالي ووصل بي الأمر إلى الضحك؛ يعني أنّ الحال هو من السوء بحيث اختلط الحابل بالنابل، وانتهى فصل البكاء ليبدأ فصل الضحك! أمّا بالنسبة لي، فلقد وصلت إلى طريق مسدود وتوقّف ذهني عن التفكير ولا أدري ماذا أقول! فإن كان هذا هو المعيار الذي وضعه الإمام الصادق عليه السلام [لتعيين المُقلَّد]، فليس لديّ ما أقوله، وتوقف ذهني عن التفكير.. هنگ كردم؛٢وأنا أعتقد بأنَّ في هذه الاصطلاح تعبير وافي عمّا يدور في الضمير!!!
كان المرحوم العلاّمة يقول: عندما كان المرحوم الشيخ حسين الحلّي يقرأ هذه العبارة التي تُبيِّن شأن المرجعيّة، وأيّ الأمور يجب على المتصدّي للمرجعيّة مراعاتها وأيّ العوالم يجب أخذها بنظر الاعتبار، كانت الدموع تسيل من عينيه على محاسنه، وكان يقول: ذلك مقام خصَّ الله به بعض المقرّبين من عباده ـ سوى المعصومين بالطبع، فلم يكن يتكلّم عن مقام المعصومين ـ فأنّى لي أنا الحمار التفكير في هكذا مقام! من الواضح بأنَّه لم يكن من أهل التصنّع، فمن يتكلّم بهذه الكيفيّة لا بدّ وأن يكون في قلبه شيء ما، ولا بدّ أن الله قد أودع قلبَه أموراً، وإلاّ لما تكلّم بهذا النحو.. يقول: ما لي أنا الحمار والخوض في الحديث عن هذه العوالم، فتلك عوالم جعلها الله لعدد من خواصّه. فترى هكذا شخص وبهذه العظمة يجلس في مجلس استفتاء المرحوم السيّد الحكيم للإجابة عن الأسئلة التي ترد عليه، على الرغم من كون أعلميّته من السيّد الحكيم أمر قطعي وأظهر من الشمس؛ فلقد كان هو المسؤول عن مجلس استفتاء المرحوم السيّد الحكيم للإجابة عن الأسئلة الفقهية؛ كما هو الحال مع بقيّة المراجع، حيث يكون لديهم هكذا مجلس يجتمع فيه عدد من الفضلاء للتباحث مع بعضهم البعض من أجل التوصّل للجواب.
- الاجتهاد والتقليد، ص ٣٦؛ الاحتجاج، ج ۷، ص ٤٥٩ ؛ وسائل الشّیعة، ج ۷٢ ، ص ۱٦۱.
- استعمل السيّد حفظه الله تعالى هنا عبارةً عرفيّة وهي (هنگ كردم)، حيث شبّه حاله بحال السيّارة التي تتعطّل بالكلّية وتتوقّف عن العمل. المترجم
