
حيثيتي الربوبيّة والعبوديّة في الإمام والولي
ما معنى طلب الإمام عليه السلام مقام الولاية من الله تعالى مع تحقّقه بالولاية الكلّية؟ كيف يراعي الإمام عليه السلام حيثيتي الربوبيّة والعبوديّة في نفس الوقت؟ متى تتجلّى حيثيّة الربوبيّة في الإنسان؟ هل للأنبياء عليهم السلام والأولياء تكامل حتّى بعد الوصول للقاء الله تعالى ومرحلة البقاء؟ هي أسئلة سعى سماحة السيّد قدس سره تعالى للإجابة عنها في هذا المجلس الشريف؛ بالإضافة إلى ذكر بعض النكات والملاحظات الأخرى؛ نظير وصيّة المرحوم العلاّمة لتلامذته فيما يختص بما بعد شهر رمضان المبارك.
حيثيتي الربوبيّة والعبوديّة في الإمام والولي
16كما بيَّنت سابقاً، فقد كانت وصيّة المرحوم العلاّمة لتلامذته ومريديه وأصدقائه في الليالي الأخيرة من هذا الشهر المبارك هي: ألاّ يَدَعوا ذلك الحال الذي تمّ اكتسابه في الشهر الفضيل يتلاشى بسرعة ، لتعود الأمور في بيوتهم وبين عوائلهم إلى سابق عهدها، وعليهم ألاّ يحذوا حذو بقيّة الناس ـ فالناس ينتظرون انتهاء شهر رمضان ليقوموا بتوديعه، ووضع ملّفه جانباً، ثم يعودون إلى ما كانوا عليه ـ ؛ بل عليهم الاهتمام بذلك الحال الذي اكتسبوه في هذه الفترة، والسعي على استمراريّة بقائه، وذلك بالمراقبة والسكوت والخلوة. وعلى الأصدقاء أن يجدوا لهم فرصة في الليل أو النهار لمراجعة تلك المواضيع التي طُرحت في هذه الليالي، ليروا مقدار انسجامها مع ذوقهم وأفكارهم، وإذا توصَّلوا إلى أمر ما، فعليهم المتابعة.
وخلاصة الأمر، علينا أن نغتنم هذه الفرصة التي منَّ الله بها علينا، ونحتفظ بها لبقيّة الأشهر، خصوصاً وأنَّ هناك مناسبات وأشهر أخرى [لها خصوصيّتها] ستقبل علينا، وتساعدنا على استمراريّة هذا الحال وتقويته.
على أيّة حال، فنحن نخاطب الله في هذا الشهر الكريم ونقول: إلهي وإن كانت أعمالنا وتصرّفاتنا ـ بحسب ما تفضّل به الإمام السجّاد عليه السلام ـ غير مؤهّلة للعرض على جنابك، لكنَّنا على الأقل سعداء باستشمامنا لنفحة ممّا يدور في قلب الأئمّة وسرّهم وسويدائهم؛ فتقبّل ذلك منّا وأعنّا على تعزيزه، ولا تدع تلك النار التي توهّجت في وجودنا أن تخمد تدريجيّاً ثم تبرد.. هذا ما نستطيع طلبه من الله في هذه الساعات الأخيرة من الشهر المبارك.
لقد كان دأب العظماء تأدية الشكر لهذه الضيافة الإلهيّة، وذلك بزيارة أوليائهم ومن بيدهم مقاليد أمورهم؛ وهم الأئمّة عليهم السلام، وكذلك التوسّل ببقيّة الله أرواحنا فداه وزيارة المشاهد المشرفة. نعم، لقد كان هذا ـ بحسب علمي ـ هو دأب العظماء وجميع الأولياء وديدنهم، حيث كان المرحوم العلاّمة يتشرّف بزيارة مشهد بعد هذا الشهر، كما كان بكلّ تأكيد يتشرّف بزيارة حرم السيّد عبد العظيم الحسني بعد انتهاء شهر رمضان. لقد كان يُعظِّم السيّد عبد العظيم عليه السلام كثيراً، حيث كان يزوره في كلّ شهر، وبالأخصّ بعد شهر رمضان، وأتذكّر جيداً أنّه كان يهتمّ بهذه المسألة كثيراً، وكان يقول: إنَّ هذا الحرم يفوح برائحة حرم سيِّد الشهداء عليه السلام! فلم يكن قول الإمام الهادي عليه السلام اعتباطاً عندما قال للسيِّد عبد العظيم الحسني: «أنت وليّنا حقاً»، وقال في حقّه أيضاً: «من زار عبد العظيم بِريّ، كمن زار الحسين بكربلاء»۱
- جاء في وسائل الشيعة، ج ۱٤، ص ٥۷٥: « محمد بن علي بن الحسين في ( ثواب الأعمال ) عن علي بن أحمد ، عن حمزة بن القاسم العلوي ، عن محمد بن يحيى ، عمن دخل على أبي الحسن علي بن محمد الهادي عليهما السلام من أهل الري قال : دخلت على أبي الحسن العسكري عليه السلام فقال لي : أين كنت ؟ فقلت : زرت الحسين عليه السلام فقال : أما إنك لو زرت قبر عبد العظيم عندكم لكنت كمن زار الحسين بن علي عليهما السلام ». المترجم
