
حيثيتي الربوبيّة والعبوديّة في الإمام والولي
ما معنى طلب الإمام عليه السلام مقام الولاية من الله تعالى مع تحقّقه بالولاية الكلّية؟ كيف يراعي الإمام عليه السلام حيثيتي الربوبيّة والعبوديّة في نفس الوقت؟ متى تتجلّى حيثيّة الربوبيّة في الإنسان؟ هل للأنبياء عليهم السلام والأولياء تكامل حتّى بعد الوصول للقاء الله تعالى ومرحلة البقاء؟ هي أسئلة سعى سماحة السيّد قدس سره تعالى للإجابة عنها في هذا المجلس الشريف؛ بالإضافة إلى ذكر بعض النكات والملاحظات الأخرى؛ نظير وصيّة المرحوم العلاّمة لتلامذته فيما يختص بما بعد شهر رمضان المبارك.
حيثيتي الربوبيّة والعبوديّة في الإمام والولي
14فما الذي يرجوه رسول الله صلّى الله عليه وآله أكثر من هذا؟ فقد وصل إلى مقام قاب قوسين وخُتم له الأمر! كلاّ، فالمسألة ليست بهذا الشكل، حيث بيّنت لكم في الليالي السابقة بأنَّ الأسماء الإلهيّة الكلّية الجماليّة والجلاليّة غير متناهية؛ فهل أنَّ ذات الله تعالى متناهية، بحيث يكون رسول الله قد أحاط بكلّ ما يتعلّق بالذات الإلهيّة، ويُعتبر الأمر منتهٍ بالنسبة له؟ كلاّ، ففي كلّ لحظة يتحقّق لنفس رسول الله وجود غير ذلك الوجود المُتحقّق له في الرتبة السابقة؛ فما دام لله وجود ـ لأنّه ليس له أمد محدّد، بل هو موجود أزلاً وأبداً ـ تكون نفس رسول الله في حالة حركة؛ وبهذا فقط نستطيع أن نفهم الآن معنى ذلك التوجّه الخاص للمرحوم العلاّمة في سنوات عمره الأخيرة إلى حضرة ولي العصر عليه السلام، حيث كان يُشاهد في تلك اللحظة ـ وبموجب الحال الذي هو عليه ـ قضايا جديدة تجعله يُعيد تقييمه لمقدار احتياجه لوليّ العصر عليه السلام.. إنَّ وراء ذلك أموراً لا يمكننا إدراكها، فليس بوسعنا سوى مشاهدة تلك الأمور الظاهريّة.
في سابق الأيّام، عندما كنت أسمع عن حالات التوجّه الخاصّة للمرحوم القاضي رضوان الله عليه في جوف الليل، كان ذلك الأمر عجيباً جداً بالنسبة لي؛ لأنّ أولياء الله تعالى حائزون على مقام المعرفة؛ فإن لم يكونوا قد أحرزوا ذلك المقام، فمن ذا الذي يمكن أن يُحرزه؟ فكنّا نقول بأنَّ أمرهم قد وصل إلى آخره، لكن من أين لنا أن نفهم حقيقة ما يجري؟ فنحن لا نميّز بين الهرّ والبِرّ، ووضعنا أنفسنا في مقام المعرفة بالإمام! ثمّ خطر هذا الأمر في ذهني ـ ولعلّه من باب التوهّم والخيال ـ وهو أنَّهم قد وصلوا في تلك المراتب التي هم فيها إلى أمور لا نستطيع نحن فهمها، ولا يستطيع فهمنا إدراك كنهها؛ فأيّ مقام ذلك الذي يُشاهده الآن، والذي يجعله يتوجّه بهذا الشكل إلى تلك الذات المُقدّسة، وإلى مقام ولاية حضرة صاحب الأمر عليه السلام؟ فنحن من جانبنا لا نرى سوى ذلك الالتجاء؛ فكما نلتجئ نحن، فنقول: >يا بن الحسن، عجِّل على ظهورك<، فهو يلتجئ أيضاً ولكن بشكل مختلف وبصورة أعمق وألطف قليلاً؛ فنحن لا نستطيع أن نعرف أيّ حال كان عليه عندما كان يستغيث، ولا نفهم ما الذي يجري؛ فمهما حاولنا التفحّص، لن نستطيع التوفيق بين الأمرين.
