
حيثيتي الربوبيّة والعبوديّة في الإمام والولي
ما معنى طلب الإمام عليه السلام مقام الولاية من الله تعالى مع تحقّقه بالولاية الكلّية؟ كيف يراعي الإمام عليه السلام حيثيتي الربوبيّة والعبوديّة في نفس الوقت؟ متى تتجلّى حيثيّة الربوبيّة في الإنسان؟ هل للأنبياء عليهم السلام والأولياء تكامل حتّى بعد الوصول للقاء الله تعالى ومرحلة البقاء؟ هي أسئلة سعى سماحة السيّد قدس سره تعالى للإجابة عنها في هذا المجلس الشريف؛ بالإضافة إلى ذكر بعض النكات والملاحظات الأخرى؛ نظير وصيّة المرحوم العلاّمة لتلامذته فيما يختص بما بعد شهر رمضان المبارك.
حيثيتي الربوبيّة والعبوديّة في الإمام والولي
12هل تتذكّرون بأنَّني قلت لكم في إحدى الليالي السابقة بأنَّ تقديرات الله مبنيّة على حساب دقيق؟ فكلّ صعود غير مدروس وفي غير محلّه يتبعه سقوط، وكلّ ركوب على السرج بغير استحقاق يتبعه سقوط منه إلى الأرض. أنا لا أقول هنا بأنَّه إن لم يحصل السقوط فذلك دليل على صحة العمل، ولكنَّني أقول بأنَّ الأمور لا تجري بشكل عشوائي، بل تجري وفقاً لمعيار محدّد، وحساب خاصّ.
جلب لي ذلك الشخص المجلّة قائلاً:
ـ أرأيت كيف وجّهوا انتقاداً للسيّد العلاّمة، ألم أنصح بعدم نشر الكتاب؟
ـ قلت: هل تعني هذا؟ هذا ليس انتقاد.. ماذا كان يستطيع ذلك المسكين أن يقوله غير هذا؟ كان سيموت غيظاً لو لم يقله! يقول لي البعض: لقد قال فلان عنك كذا؛ فأقول لهم: دعوه يقول ذلك، وإلاّ سيموت غيظاً وحنقاً؛ فلا بدّ لنا من أن نراعي الإنصاف إلى درجة... دعوه يقول بأنَّني أكذب، فلا إشكال في ذلك! بل أساساً أنا أكذب؛ المهمّ ألاّ يموت بالسكتة القلبية!!! التفتُّ إلى ذلك الشخص [الذي نقل لي الخبر] وقلت له: إن لم يكتب ذلك فسيموت بغيظه، فدعه يكتب سطرين من الكلام!
وخلاصة القول أنّ ذلك الشخص الذي جلب لي المجلّة قال لي:
ـ اذهب واعرض هذه المجلّة على والدك.
ـ قلت له: حسناً سأفعل.
فذهبت وعرضت المجلّة على المرحوم العلاّمة وقلت له: لقد جلبت لكم شيئاً عجيباً، ويُقال بأنَّه قد تمّ إفحامكم، والردّ عمّا ذكرتموه في ذلك الكتاب، فقال: وماذا قالوا؟ فأعطيته المقال، فلمّا قرأه، فإذا به يضحك مقهقهاً ـ أنا لم أضحك وقتها كما فعل هو ـ وقال: أهذا كلّ ما في الأمر؟!! ولا أزال حتّى هذه اللحظة أتذكّر ذلك الموقف وكأنَّي أسمع ضحكته الآن. قال: إنَّه لم يذكر أمراً ذا قيمة في مقاله؛ ثمّ أردف بهذه الجملة: يا سيّد محسن، قل لهؤلاء بأنَّني لم أكتب هذا الكتاب لأجلهم، بل كتبته لمن له نصيب من الفهم، وأنا لم أكتبه لهم حتّى يأتوا ليردّوا عليه. نعم، لقد قال: أهذا كلّ ما لديهم؟ إنَّهم لم يأتوا بشيء؟!! قالها بنحوٍ وكأنّه شيء تافه.. إن لم يكتب ذلك فسيُصاب بسكتة قلبيّة، فدعه يُسعِد نفسه ويتباهى بكونه قد كتب ردّاً على الكتاب، وأثبت بطلان كلام الكاتب وكذَّب مقالته! إذا كان ذلك يُسعدك أيّها المسكين، فاكتب عشرة كتب من أمثال ما كتبت؛ فالشمس والقمر لا يبقيان تحت الغيم، فإلى متى هذا الكتمان أيّها المسكين؟ فأنا كتبت هذه الكلمات لأجلك أنت، حتّى إذا كانت لا تزال هنالك نافذة مفتوحة في قلبك الأسود، فإنّها ستشرع في العمل، وأمّا إذا لم تكن ترغب في ذلك، فأنت وشأنك، وأنا من جهتي لست مصرّاً على ذلك ﴿إِنَّكَ لا تَهْدي مَنْ أَحْبَبْتَ ولكِنَّ اللَّهَ يَهْدي مَنْ يَشاءُ﴾۱..ألم يرد في الآيات القرآنية ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرينَ وما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾٢؟ حيث يخاطب الله رسوله قائلاً: إنَّك لا تستطيع أن تُحيي الموتى؛ فذلك الشخص ميّت وقلبه ميّت؛ فقلب أبي سفيان ميّت، وقلب ذلك المنافق وذلك الزنديق ميّت، وقلب ذلك المُعمّم الدارس للعلوم الدينيّة والمطّلع على كلّ تلك الروايات، والذي يدَّعي الانتساب إلى مدرسة المرحوم العلاّمة، وهو يدوس على الحق بقدميه، ميّت؛ فماذا أقول لك أكثر من هذا؟!
- سورة القصص (٢۸)، مقطع من الآية ٥٦.
- سورة النمل (٢۷)، الآيات ۸۰ و۸۱. هذه الآيات من مصاديق ما أشار إليه السيِّد حفظه الله. المترجم
