
حيثيتي الربوبيّة والعبوديّة في الإمام والولي
ما معنى طلب الإمام عليه السلام مقام الولاية من الله تعالى مع تحقّقه بالولاية الكلّية؟ كيف يراعي الإمام عليه السلام حيثيتي الربوبيّة والعبوديّة في نفس الوقت؟ متى تتجلّى حيثيّة الربوبيّة في الإنسان؟ هل للأنبياء عليهم السلام والأولياء تكامل حتّى بعد الوصول للقاء الله تعالى ومرحلة البقاء؟ هي أسئلة سعى سماحة السيّد قدس سره تعالى للإجابة عنها في هذا المجلس الشريف؛ بالإضافة إلى ذكر بعض النكات والملاحظات الأخرى؛ نظير وصيّة المرحوم العلاّمة لتلامذته فيما يختص بما بعد شهر رمضان المبارك.
حيثيتي الربوبيّة والعبوديّة في الإمام والولي
10تجلّي حيثيّة الربوبيّة في الإنسان لا يتحقّق إلاّ بعد وصوله لدرجة الصفر (العبوديّة التامّة)
فكلّ ما فعله الإمام السجّاد هو أنَّه وصل إلى الصفر، فتدرّج [في العبوديّة] حتّى وصل إلى تسعة وتسعين، ثمانية وتسعين، ستّة وتسعين، خمسة وتسعين، أربعة وتسعين، ثمّ ثمانين، سبعين، أربعين، ثلاثين، اثنى عشر، ثمانية، سبعة، ستّة، ولم يكف ذلك؛ ثمّ وصل إلى الأربعة، الثلاثة، الاثنين، الواحد، النصف ثمّ الصفر؛ وحينما صار صفراً، أصبح بإمكانه عندها أن يُغيّر كلّ العالم، ويُغيّر حال جميع الخلائق. وأمّا نحن، فعلى العكس من ذلك؛ فعند نزولنا من أرحام أمهاتنا ـ رحم الله أمهاتنا وآبائنا الذين كانوا وسيلة خير وسبباً لمجيئنا إلى هذه الدنيا لكي نقع في بعضنا البعض!!! ـ كنَّا صفراً، غير أنَّ هذا الصفر يختلف عن ذلك الصفر ـ وهذا ليس محلّ بيان هذا الاختلاف ـ ، ثمّ بدأنا نكبر، وكلّما كبرنا أكثر، كلّما ارتفعنا أكثر، حتّى أصبحنا واحد، ثمّ اثنين؛ وعندما وصلنا سنّ العامين أصبحت درجتنا خمسة، وعند سنّ الثلاثة أعوام أصبحت درجتنا عشرة، وعند الأربعة أعوام أصبحت ثلاثة عشر.. خمسة عشر، وعند سنّ العشرين عاماً أصبحت درجتنا ستّيناً، حتّى إذا ما وصلنا سنّ الثلاثين، حزنا درجة المليون ومائتين؛ وهكذا نبدأ نرتفع بشكل مضاعف! وقد وصل البعض إلى مقام عظيم جدّاً، بحيث يبلغ طول عدد الأصفار الموجودة إلى جانب الواحد طول المسافة من هنا إلى طهران؛ أولئك قد حازوا مقاماً عظيماً!!! وهم على عكس الطائفة الأولى؛ ففي الوقت الذي يعمل فيه أولئك على تقليل الرقم، يعمل هؤلاء على زيادته؛ فعندما تنظر إلى أحدهم ترى العجب.. ترى درجته قد وصلت إلى ما لا نهاية! فهل هذا عمل صحيح؟ علينا أن نتخلّى عن هذه الدرجات ونعمل على تقليلها من الما لا نهاية لتصل إلى درجات قليلة؛ فتصل إلى عشرين وخمسة عشر وأقلّ من عشرة، والتي هي درجة فشل في العرف المتداول، ولكنَّها درجة النجاح [في هذا الطريق].
لقد وصل الإمام السجّاد عليه السلام إلى درجة الصفر، وعند وصوله إلى درجة الصفر، أصبح إماماً.. هل فهمت الآن بعدم وجود أكثر من قدرة واحدة؟! فهو لم يكن يعلم ذلك قبل هذا. ولا يخفى أنَّ هذا الأمر ينطبق علينا نحن وليس على الإمام السجّاد عليه السلام؛ إذ إنَّ هذه الأمور متحقّقة في نفسه منذ البداية، ونعوذ بالله أن ننسب إليه ما لا يليق. نعم، هذا الأمر ينطبق علينا؛ فلسنا مثل الأئمّة؛ لأنّنا نرى أنَّ لنا قدرة، ولا نكون جادَّين بنفيها عن أنفسنا؛ فإذا ما تمعنّا بالأمر، نجد في أنفسنا شيئاً، فنجد أنَّنا قد حسبنا لأنفسنا حساباً في مقابل الله ولكنَّنا نُخفيه؛ ألا يُلاحَظ ذلك في حديثنا؟ فإذا ما اختلينا بأنفسنا وفكّرنا، ألن يتّضح لنا ذلك؟ ألن نلاحظ ذلك في كلماتنا، وتصرّفاتنا، وردود أفعالنا تجاه تصرّفات الآخرين؟ فإن اعترض شخص على كلام لأحدهم، تراه يُقيم الدنيا ولا يُقعدها؛ فيهدّده ويقول: سأنشر عنك مقالاً أفضحُك فيه! أتعترض على كلامي؟ من تكون أيّها القزم حتّى تعترض على كلامي؟! كلّ هذا يدل على وجود بقيّة في النفس، لا، بل أكثر من ذلك.
