
هل يكفي الادعاء للوصول إلى الأمل العظيم ؟
تبيّن في الجلسات الماضية أن الوصول إلى الأمل العظيم متاحٌ أمام الجميع، فهل يعني ذلك أنّ كل من يدّعي أنّه يطلب هذا الأمل، فسوف يصل إليه؟ و هل يكفي لتحقيق ذلك مجرّد القول باللسان ؟ أم أنه يتحقّق بكثرة العبادة؟ أم أنّ ذلك يتحقق بمجرّد مصاحبة الأولياء ومجالستهم؟ أم لا بد من أمر آخر وراء ذلك؟
هل يكفي الادعاء للوصول إلى الأمل العظيم ؟
17فهل سيختلف الوضع مع إمام الزمان؟!
حسناً، فما هو السبب وراء ذلك؟ إنَّ كلّ حالاتهم السابقة حالات سطحيّة ، فهي من نابعة من ظاهر القلب، أمّا في باطن القلب و عمقه فلا يوجد شيء هناك، إنَّ كلّ ما يُظهرهُ أولئك الأشخاص هو عبارةٌ عن انعكاسٍ لأحاسيسهم ومشاعرهم. فعلينا أن نختبر أنفسنا للتحقّق من هذا الأمر، يعني فلنحاول إيجاد فرصة لنا نختلي فيها بأنفسنا، لنفكّر في حالنا ولنتعمّق بالتفكير لنرى كم هو مقدارُ اعتقادنا القلبي؛ نعم ذلك أمرٌ ممكن، فما إن نُدقّق في الموضوع حتّى يتبيّن لنا واقع الأمر.
يوجد الكثير من نظائر هذه الأمور؛ كما أنَّ الله يُعرِّض الإنسان إلى اختبارات ليُريهُ حقيقة حالهِ وكيف ينخدع أحياناً بظواهر الأمور في تعامله مع الأحداث التي تجري من حوله؛ وكيف يتأثرُ بالبيئة و بالجوّ الحاكم بحيث تراه يتصرّف خلافاً لمعتقداته. كلّ هذه أمور يريها الله الإنسانَ لكي يعتبر بها.
ما هو معيار التقدّم و التأخر في السير و السلوك؟ وكيف نختبر أنفسنا؟
يقول الإمام السجّاد: إنَّني إذ أخاطبُ الله بخطاب "عظم يا سيِّدي أملي"، فهذا هو واقع حالي، فهكذا أنا أشعرُ بوجود الله في أعماقي؛ وأملي المتمثّل بالوصول إليه لا يفارقني، بل أنا جادٌّ في متابعة هذا الهدف. هنا يتّضح لنا معنى كلام المرحوم العلاّمة رضوان الله عليه حينما كان يقول: (لكي تعرف كم تقدّمت في هذا الطريق، وكم هو مقدار ترقيك في سيرك، فلا تقس ذلك بكثرةِ صلاتك بالليل وقلّتها، ولا تنظر إلى مقدارِ قراءتك للقرآن، بل انظر إلى مقدار استقامتك ورغبتك وثبوتك على هدفك وتعلّقك به، وانظر إلى مقدار ما أُضيف إلى عشقك ومحبتك لذلك الهدف، وكم هو مقدارُ التضحية والسعي والجهد التي أنت على استعدادٍ لبذلها من أجل تحقيق هذا الهدف، وكم هو مقدار التمسّك به والثبات عليه. فذلك هو الميزان لمعرفة مقدار تقدّمك باتجاه الهدف المنشود، لا كثرة الصلاة)، فلو أنَّك شغّلت مسجلاً للصوت لأخذ بالقراءة حتّى المساء، فسيقرأ لك بصوت عبد الباسط أو غيره.
إنّ الأمر المهم هنا هو ذلك الحالُ الذي اكتسبتهُ، وكم هو ميزان ثباتك على الهدف؟ كم هو مقدار التزامك بلوازم ومتطلبات السير؟ فإن رأيت حالك قد تحسّن وازدادت غيرتك على مقصدك وازداد تعلّقك به مقارنةً بالعام الماضي [فذلك دليل على حصول الترقي لديك]. يعني إذا ما عُرض عليك أمر [مضرٌّ بسيرك و سلوكك]، ترى نفسك لا تُسارعُ إلى الاستجابةِ إليه، بينما لو كان نفس هذا الأمر قد عُرض عليك في العام الماضي، لكنت تتأمّل بشأنه بعض الشيء، وإن كنت لا تفعله؛ أمّا الآن فإنَّك لا تفكر في هذا الموضوع على الإطلاق، بل تضحك على من يطرحهُ عليك، وتتنفر من ذلك الموضوع. فهذا دليلٌ وعلامةٌ على حصول الترقّي لديك. أمّا إن كان الأمرُ على العكس ورأيت أنّ همتك وتعلّقك السابق كان أكثر مما أنت عليه الآن ورأيت نفسك تميل إلى الأمورِ والمشاغل الدنيوية، ورأيت فكرك مشغولاً بها [فذلك دليل على الهبوط].
