
هل يكفي الادعاء للوصول إلى الأمل العظيم ؟
تبيّن في الجلسات الماضية أن الوصول إلى الأمل العظيم متاحٌ أمام الجميع، فهل يعني ذلك أنّ كل من يدّعي أنّه يطلب هذا الأمل، فسوف يصل إليه؟ و هل يكفي لتحقيق ذلك مجرّد القول باللسان ؟ أم أنه يتحقّق بكثرة العبادة؟ أم أنّ ذلك يتحقق بمجرّد مصاحبة الأولياء ومجالستهم؟ أم لا بد من أمر آخر وراء ذلك؟
هل يكفي الادعاء للوصول إلى الأمل العظيم ؟
10لقد التقيتُ يوماً بأحدهم وكان من أهل الفضلِ، فقلتُ له:
- ألم تقل بشأني فيما يتعلق بالقضية الفلانية: كذا وكذا؟
- أنا لا أتذكّر، أرجو أن تعذُرني.
- ألا تتذكرُ ذلك؟! عُد إلى ذاكرتك قليلاً لترى هل تتذكّر أم لا؟!
- كلّما راجعتُ ذاكرتي، أرى بأنِّي لا أتذكرُ ذلك.
- اذهب وراجع الرواية المتعلقة باستدعاء أميرِ المؤمنين لأنسٍ بن مالك للشهادة له بشأن الخلافة! أنت لا تتذكّر، ها؟!
هؤلاءِ هم الذين كانوا يحضرون المجالس، وكنّا نراهم يبكون؛ فلا أدري ما هو مصدر ذلك البكاء؟! هل كان بكاءً واقعياً وناشئاً عن حُرقة قلبٍ؟ أم أنَّه كان نتيجةً للتأثيرِ الظاهري لذلك السيِّد وأبّهتهِ وجلالهِ وجماله! عن أيّهما كان ينجم ذلك؟!
علامة صدق الأمل العظيم هي اتّباع الحقّ ولو كان مُرّاً
يريدُ الإمام السجّاد أن يقول هنا: بأنَّ الله سيأخذُ بيدك إلى طريق الهداية فيما إذا كانت عندك لوعةٌ لسلوك هذا الطريق، وإلاّ ففي حالةِ فقدان تلك اللوعة والتي تعتبرُ بمثابةِ المحرّكِ بالنسبة لك، فإنَّ هذا الأمر سيتحوّلُ إلى عملٍ كبقيّة الأعمال وفنٍّ كبقيّة الفنون؛ لأنَّ الإنسان لابدّ له من أن يطوي هذه الدنيا بشكلٍ من الأشكال، وأن يجد له مكانةً بين الناس؛ فإن استطاع الحصول على مركزٍ قيادي عن طريق امتلاكه لرتبةٍ عسكرية مثلاً، فقد حصل المطلوب، وإلاّ فهو يلجأُ للعمامةِ والعباءة والقباء، وتمثيل حال التواضع والحياءِ بطأطأةِ الرأسِ أثناء المشي؛ إذ لا بدَّ له من أن يُحيط نفسهُ بمجموعةٍ من الأفراد. فالأمرُ واحد، إذ إنَّ المحور الذي تدور حوله القضيّة في جميع هذه الأحوال هو النفس. فعند عدم تقاطع الأمور مع المسائل النفسانيّة، ترى الشخص يتحدَّثُ وينصح الآخرين ويُرشدهم إلى الطريق الصواب، ولكنَّهُ ما إن تصطدم المسألة بمصالحهِ الشخصيّة، حتّى تراه يبدأ بالّلفِ والدورانِ وتبريرِ الأمورِ لكي لا تُمسَّ مصالحهُ؛ فتراه يتهرّب عن قول الحقّ.
قال لي صديقي الدكتور سجّادي: لقد كنتُ ألقي محاضرةً مرّة، فإذا بأحدِ تلامذتي يقطعُ عليَّ حديثي، ليتّهمني ـ بدافع الحسدِ ـ بأمورٍ باطلةٍ لكي لا تتعرّض سمعتهُ للخطر.
-يا هذا، لقد كنتَ تلميذي لعدةِ سنوات، وكلّ ما لديك من معلوماتٍ فقد تعلّمتها منِّي، فأنا الذي كنتُ أعلّمك هذه الأمور في غرفة العمليات!
