
ضرورة الثبات على الطريق وعدم التخلّي عن الطلب.
ما الذي يجعل نفس الإنسان وأفكاره ونياته وأفعاله تتغير شيئاً فشيئاً من غير أن يشعر؟ كيف يُمكنه المحافظة على الحالات التي اكتسبها في شهر رمضان وتثبيتها؟ وماهو دور المراقبة والاتّصال بالوليّ في ذلك؟ أجاب سماحته عن هذه الأسئلة ، ثم تطرق إلى مسألة تراجع همّة السالك بعد فترة من سلوكه وكيف يجب أن يتعامل معها؟ وماهي طريقة التفكير الصحيحة التي تساعده على تخطّي ذلك العائق وتزيد في همّته؟ وكيف يُواجه الإنسان وساوس الخنّاسين الذين يعملون على تثبيط عزيمته؟ وبماذا يجيبهم؟ مشيراً في ضمن ذلك إلى بعض النكات السلوكيّة الأخرى المهمة؛ نظير: كيف كان يناجي الإمام عليه السلام ربّه، وكيف نتعلّم منه عليه السلام أسلوب هذه المناجاة.
ضرورة الثبات على الطريق وعدم التخلّي عن الطلب.
15إنَّه يُمثل أعلى درجات قدرة الله في عالم الوجود، حيث يكون خلق الأرض بإزائه بمثابة تقليم الأظافر! بل ويعتبر خلق القمر والمجرّات والعوالم الأُخرى بالنسبة إلى هذا الأمر وإلى إرادة الله وظهوره بمثابة تقليم الأظافر، أي كما يُقلّم أحدكم ظفره!
ففي هذه الفقرات من الدعاء، يكون الإمام السجاد قد وضع يده على أعلى درجات ظهور قدرة الله في مقام التكوين، حيث يقول: إلهي، أريدك أن تمنحني هذا المقام؛ لأنَّني عرفت من تكون! فقد عرفت رحمتك وعفوك وكرمك؛ فلمّا كنت قد عرفت كلّ ذلك، فسوف لن أتنازل إلى ما هو أدنى في طلبي، ولماذا أتنازل؟ فبما أنّني عرفتك بهذه الصفات، أفلا يُعدُّ التنازل إهانةً لك؟ نعم، يُعدُّ ذلك إهانة لمقام العزّ الربوبي.. إنَّه بمثابة من يقول له الله: أنا أمتلك تلك القدرة، فيقول: لا، يا إلهي إنَّك لا تمتلك تلك القدرة! ولهذا سوف لن أتوسّع في طلبي، وسأطلب منك ذلك المقدار اليسير الذي تستطيع إنجازه! ألا يعتبر ذلك إهانة؟!
فالإمام السجّاد يقول هنا: أيّها الإنسان، إذا كنت في مقام التخاطب مع الله، فتكلّم بهذا الأسلوب، ويا أيّها السالك، إذا كنت واقفًا أمام الله، فاطلب من الله بهذه الكيفيّة، ويا أيها السائر في الطريق إلى الله، إذا كنت في موقف المناجاة مع الله، فعليك أن تُحسن المناجاة، وعليك رعاية الأدب في مناجاتك؛ فليس من الأدب أن تقول لله: إلهي لا أريد منك شيئًا، فذلك منتهى إساءة الأدب. نعم، يبقى أنَّ ما يتحدّث عنه مولانا جلال الدين الرومي حين يقول:
قوم ديگر مى شناسم ز اوليا *** كه دهانشان بسته باشد از دعا (يقول: أعرف قومًا من الأولياء، أفواههم مكفوفة عن الدعاء)
هو أمر آخر، فنحن لسنا في هذا المقام، فذلك مختص بالأولياء؛ على أنَّه يصبّ في نفس هذا المجرى في الأخير؛ فأولئك قد وصلوا إلى الدرجة التي يكونون فيها مع الله، فما الذي سيطلبه المتحقّق بحقيقة الله؟! فهو لا يستطيع أن يطلب غير الله، فما الذي سيطلبه؟ وما الذي سيقوله في طلبه؟ فإذا ما طلب أمرًا، فسيقول له الله: ها أنذا إلى جنبك، فما الذي تريده أكثر من ذلك؟ فهذا الحال يخصّ الأولياء، أمّا نحن، فلسنا في ذلك الحال، لذا علينا أن نطلب من الله؛ فما الذي سنطلبه؟ سنطلب من الله أقصى ما يمكن له أن يفعله، ولا تكون له قدرة على فعل أكثر منه!! وهو أن يصنع مثله إذًا! أي أنَّ أقصى قدرة لله هي أن يصنع وليًّا له مقام الخلافة الإلهيّة؛ فهل يستطيع أن يصنع ما هو أكبر من ذلك؟ فما هو الشيء الأكبر من هذا والذي يستطيع الله صنعه؟
