
ضرورة الثبات على الطريق وعدم التخلّي عن الطلب.
ما الذي يجعل نفس الإنسان وأفكاره ونياته وأفعاله تتغير شيئاً فشيئاً من غير أن يشعر؟ كيف يُمكنه المحافظة على الحالات التي اكتسبها في شهر رمضان وتثبيتها؟ وماهو دور المراقبة والاتّصال بالوليّ في ذلك؟ أجاب سماحته عن هذه الأسئلة ، ثم تطرق إلى مسألة تراجع همّة السالك بعد فترة من سلوكه وكيف يجب أن يتعامل معها؟ وماهي طريقة التفكير الصحيحة التي تساعده على تخطّي ذلك العائق وتزيد في همّته؟ وكيف يُواجه الإنسان وساوس الخنّاسين الذين يعملون على تثبيط عزيمته؟ وبماذا يجيبهم؟ مشيراً في ضمن ذلك إلى بعض النكات السلوكيّة الأخرى المهمة؛ نظير: كيف كان يناجي الإمام عليه السلام ربّه، وكيف نتعلّم منه عليه السلام أسلوب هذه المناجاة.
ضرورة الثبات على الطريق وعدم التخلّي عن الطلب.
13لا ترضى بالأدنى، ولا تتخلّى عن ذلك الهدف الأسمى؛ فهذه مسائل يطرحها علينا إمام معصوم، ولا مجال للمزاح فيها؛ فالإمام ليس في مقام المزاح مع الله، والإمام السجّاد يعلم من هو الله وما هي خصوصياته وصفاته؛ فلو كان الإمام السجّاد يعرف الله بتلك الأوصاف التي رسمها له الآخرين على أنَّه موجود مُخيف ومهيب وغول لا يرحم، لما قال له في موقف المناجاة: فأعطني من عفوك بمقدار أملي. فالإمام يطلب من الله أن يُحقّق له ـ علاوة على غفران ذنوبه ـ ذلك الأمل العظيم المتمثّل بالوصول إلى ذاته المقدسة.
فلو كان الله بتلك الصفات، بحيث يقول له: ما الذي تطلب؟ سأُحاسبك على الصغيرة والكبيرة، وعلى كل نيّة سوء نويتها، وعلى جميع ذنوبك وأخطائك، وسأضعها أمامك واحدة واحدة، ثمّ أحاسبك عليها! تأتي بكلّ تلك الذنوب، ثمّ تقول: ربي اغفرها لي ولا تؤاخذني عليها؟!
لو كان الأمر كذلك، لسدّ الإنسان فمه، ولما استطاعت نفسه المضي في السير، ولانسدّ فكره، فلا يستطيع عندها أن يفعل شيئًا؛ غير أن الإمام السجّاد يعرف الله جيدًا، لذا فهو يناجيه بهذا الشكل.
في أحد الأيّام، خاطب بايزيد الله قائلاً: إلهي، أعطني ولا تنظر إلى عملي القبيح، فقال الله له: وماذا ستفعل إن لم أُعطك؟ فقال: سأخبر مخلوقاتك عن نزر يسير من رحمتك وعفوك وكرمك، لا يعبدك معها أحد من مخلوقاتك إلى يوم القيامة! لقد كان من أهل الصنعة ويعلم ما الخبر هناك، ومن أيّ طريق يرد.
لا يُمكن تصوّر مقدار سعة الرحمة الإلهيّة
هل تتذكرون بأنّني كنت أتحدّث في إحدى الليالي من العام السابق عن مقام رحمة الله، وقلت لكم بأنَّ المرحوم العلاّمة كان يقرأ دعاء كميل بعد عودته من النجف، حيث كان يحفظ هذا الدعاء عن ظهر قلب؛ فكانوا يطفئون الإنارة، ويبدأ بقراءة الدعاء؛ لقد كان دعاءً عجيبًا ومؤثِّرًا. وبعد ذلك توقّف عن قراءة الدعاء، ثم استأنف قراءته في سنوات إقامته الأخيرة في طهران وقبل هجرته إلى مشهد. لقد تمّت إقامة عدّة مجالس في الوقت الذي كنت فيه أواصل دراستي في مدينة قم عندما كنت أعزبًا، وعند تشرّف المرحوم العلاّمة بزيارة مدينة قم، قلت له: سمعت يا سيّدي بأنَّكم استأنفتم إقامة مجالس قراءة دعاء كميل؟ فقال: نعم، لقد أقمنا تلك المجالس، لمرّتين أو ثلاثة، ثم توقّفنا. فقلت له: لماذا؟ لقد كنت أنوي السفر إلى طهران، بأمل المشاركة في ذلك المجلس! فضحك قائلاً: يا سيِّد محسن، عندما أبدأ بقراءة هذه الفقرة من الدعاء: الّلهم إنِّي أسألك برحمتِك التي وسعت كلَّ شيء ـ حيث كان يقرأ الدعاء بلحن جميل وصوت عذب ـ ، فما إن أقرأ اسم الرحمة، حتّى أرى نفسي قد وردت فجأةً في عالم ما كنت لأعود منه إلى هذا العالم لولا إرادة الله! أي أنَّ الرحمة الإلهيّة كانت تُحيطني بالشكل الذي تسلب فيه من النفس والروح والقدرةَ على البقاء في الجسم، وكنت أُعيد نفسي لكي تستقرّ في قالب الجسم بمشقّة، وبعدها أتوقّف لحظة [حتّى أتمكن من الاستمرار]. ثم وصلت إلى نتيجة وهي أنَّني إذا استمررت بقراءة الدعاء، فقد لا أتمكّن من الرجوع أبدًا؛ ولذلك قلت من الأفضل عدم الاستمرار.
