
ضرورة الثبات على الطريق وعدم التخلّي عن الطلب.
ما الذي يجعل نفس الإنسان وأفكاره ونياته وأفعاله تتغير شيئاً فشيئاً من غير أن يشعر؟ كيف يُمكنه المحافظة على الحالات التي اكتسبها في شهر رمضان وتثبيتها؟ وماهو دور المراقبة والاتّصال بالوليّ في ذلك؟ أجاب سماحته عن هذه الأسئلة ، ثم تطرق إلى مسألة تراجع همّة السالك بعد فترة من سلوكه وكيف يجب أن يتعامل معها؟ وماهي طريقة التفكير الصحيحة التي تساعده على تخطّي ذلك العائق وتزيد في همّته؟ وكيف يُواجه الإنسان وساوس الخنّاسين الذين يعملون على تثبيط عزيمته؟ وبماذا يجيبهم؟ مشيراً في ضمن ذلك إلى بعض النكات السلوكيّة الأخرى المهمة؛ نظير: كيف كان يناجي الإمام عليه السلام ربّه، وكيف نتعلّم منه عليه السلام أسلوب هذه المناجاة.
ضرورة الثبات على الطريق وعدم التخلّي عن الطلب.
12على الإنسان أن يثبت في طريق السلوك من دون الالتفات لوساوس الخنّاسين
فهذا الضيف الذي حلَّ المنزل بحاجة إلى ضيافة، فلا بدّ من إطعامه لكي لا يمرض، ولا بدّ من توفير وسائل الراحة والرفاهية له؛ فيقول الإمام عليه السلام هنا: احترز من الكسل والملل والتعب والاستماع إلى وسوسة الخنّاسين؛ فترى أحد هؤلاء يقول: لقد مضت عليك سنوات هنا، فماذا كانت النتيجة؟ فعليك أن تُجيبه: وما الذي حصلت عليه أنت الذي لم تحضر هنا؟ ففي أسوء الأحوال نكون أنا وأنت متعادلين، فما الضير في ذلك؟! أو أن يقول: ها قد مضت عليك سنوات تعمل وفقًا لهذه المباني، فما الذي جنيته؟ فقل له: وما الذي جنيته أنت الذي لم تعمل بموجبها، فإن كنت قد جنيت شيئًا ما، فأعلمني لكي أتخلّى عن هذا المسير الذي أنا عليه.
كان الإمام الصادق عليه السلام يناظر أحد الدهريِّين حول الصلاة والقيامة وأمثال ذلك، فأجابه الإمام بجواب منطقي بسيط ـ لم يكن الموضوع بحاجة إلى جواب علمي ـ قال له: لو لم يكن أمر القيامة حقًا، فسأكون أنا وأنت على حدّ سواء، فلم أخسر شيئًا بأدائي للصلاة في الحياة الدنيا، أمّا إذا كان حقًا، فالويل لك، فسأفُلح هناك وتخسر أنت.
فإذا ما كان الإنسان مشغولاً خلال عدّة سنوات بالذكر والمراقبة، ألا يعدّ هذا الأمر في حدّ نفسه أمرًا مستحسنًا؟ انظروا إلى أوضاع الناس وإلى حالاتهم الروحية، وبأيّ شيء يمضون أوقاتهم؟ تراهم في حال من التزاحم والعراك؛ فإذا ما كان الإنسان يتّبع منهجًا يكون فيه مستغنيًا عن كلّ هذا التزاحم والتصادم، ألا يعتبر ذلك في حدّ نفسه أمرًا قيِّمًا؟ وهذا بغضّ النظر عمّا يحصل وما سيحصل في المستقبل.. أفلا يُعدّ ذلك أمرًا مستحسنًا ومفيدًا؟
تخلّي الإنسان عن الطلب هو بدايةٌ لموته
يقول الإمام السجّاد: عليك ألا تقنع بالمقام الدنيّ، فيجب عليك أن لا تقول: إلهي، أنا لا أفكّر في الوصول إلى حرمك والفناء في ذاتك، ولا ألتفت إلى ذلك بعد الآن، وسأكتفي بتلك الأمور الظاهريّة؛ فأنا أعلم بوجود جنّة ونار، وأمّا الدرجات العليا، فأنا لست مؤهّلاً لها، فهي مختصّة بالمقرّبين منك.. هذا هو الموت بعينه! فحياة الإنسان بالطلب، فما دام يريد الوصول للأفضل، فهو حيّ؛ وأمّا إذا انتفى من نفسه ذلك الطلب وتلك النيّة، يبدأ عندها موت الإنسان. فعندما ينتفي لديه الطلب، تراه يقتنع بأدنى ما يُعطى، فإذا ما ضُرب على رأسه يسكت، وإذا ضُرب مرّة أخرى، فهو يسكت أيضًا، ويقول: لا بأس! هكذا هو حال بعض الناس، فكلّما يُضرب على رأسه، يطأطئ رأسه إلى الأسفل أكثر، فلا يرفع رأسه ليقول: لماذا تضربني؟ ممّا يؤدّي إلى ازدياد الضرب على رأسه.
