
الحقيقة الربطيّة بين العبد وربّه
في هذه المحاضرة، يتعرّض سماحة السيّد قدس سره تعالى لبيان الحقيقة الربطيّة القائمة بين الإنسان وخالقه والتي تُشكّل جوهر الدين وحقيقته؛ وذلك من خلال الإجابة عن الأسئلة التالية: كيف ينظر أولياء الله تعالى إلى الأمور، وبالخصوص إلى الأعمال التي تصدر منهم؟ هل هناك فاصلة بين الله تعالى وخلقه؟ هل يوجد حدّ لرحمة الله الواسعة؟ وكيف يكون القنوط من الرحمة الإلهية من أهم موانع الطريق؟ ما هي حقيقة الدين، وما علاقته بالحقيقة الربطيّة بين العبد وربّه؟ وما هو دور التوجّه إلى هذه الحقيقة في سلوك الإنسان؟ بالإضافة إلى بيان بعض النكات والأسرار السلوكيّة الأخرى.
الحقيقة الربطيّة بين العبد وربّه
الوصف:
في هذه المحاضرة، يتعرّض سماحة السيّد قدس سره تعالى لبيان الحقيقة الربطيّة القائمة بين الإنسان وخالقه والتي تُشكّل جوهر الدين وحقيقته؛ وذلك من خلال الإجابة عن الأسئلة التالية: كيف ينظر أولياء الله تعالى إلى الأمور، وبالخصوص إلى الأعمال التي تصدر منهم؟ هل هناك فاصلة بين الله تعالى وخلقه؟ هل يوجد حدّ لرحمة الله الواسعة؟ وكيف يكون القنوط من الرحمة الإلهية من أهم موانع الطريق؟ ما هي حقيقة الدين، وما علاقته بالحقيقة الربطيّة بين العبد وربّه؟ وما هو دور التوجّه إلى هذه الحقيقة في سلوك الإنسان؟ بالإضافة إلى بيان بعض النكات والأسرار السلوكيّة الأخرى.
الحقيقة الربطيّة بين العبد وربّه
14حقيقة الدين عبارة عن الحقيقة الربطيّة بين العبد وخالقه
فإذا ما أُزيح الحجاب من أمام عيني الإنسان، فإنَّه سيتصل بالمصدر، ولا علاقة للديانة التي يعتنقها الشخص بهذا الموضوع، سواءً كان يعتنق الديانة الإسلاميّة أو النصرانيّة أو اليهوديّة أو كان لا يعتنق أيّة ديانة على الإطلاق؛ فالأمر متعلّق بقلب الإنسان. فلقد كان هنالك حجاب يحولُ بين الإنسانِ وبين حقيقته ـ والتي هي عبارةٌ عن تلك الحقيقة الربطيّة ـ فالآن وقد أُزيح هذا الحجاب، فسواءً كان الإنسان مسلماً أو يهوديّاً أو نصرانيّاً أو لا دين له، فما إن يشعر بضرورة الاتّصال بتلك الحقيقة وأنّه لا يوجد سوى تلك الحقيقة يُمكنها أن تكون ملجأً وظهيراً له، فقد حصل له الاتّصال والارتباط، ولا علاقة لهذا الأمر بالإسلام ولا بالدين.
وتُعدّ هذه المسألة من بين المسائل التي يعتبرها الآخرون دليلاً على عدم اهتمام العظماء بموضوع الدين، إلاّ أنّ الأمر ليس بالشكل الذي لا يهتم به العظماء بأمور الدين، بل إنَّ العظماء لا يعدّون هذا الظاهر ديناً؛ لأنّ الدين من وجهةِ نظرهم هو عبارة عن تلك الحقيقة وتلك الجنبة الربطيّة [بين العبد وخالقه]، وأمّا الظاهر، فهو عبارة عن مجموعة من الأعمال التي ينبغي على الإنسان أن يُؤدّيها حتى يرتقي ويصل إلى غايته،والتي يرتقي بها نحو مستوى أفضل، بينما تتمثّل حقيقة الدين في جنبته الربطيّة؛ وفي تلك الجنبة الربطيّة، لا يُمكن خداع الله تعالى. فإذا ما كانت عقيدة العبد حقاً وواقعاً بأنَّ ما يُدركه هو الله [أي أن ما أدركه هو الحق والواقع]، ويُتابع ما أدركه ويمشي على أساسه، فإن هذا العبد سيكون مُتصلاً بالمبدأ. وأمّا إذا كان الأمر على العكس، بحيث يجعل الإنسان من تلك المظاهر الأساس الذي يبني عليه حياته، فيأخذ باللفّ والدوران والتمثيل، ويريد أن يبني حركته على هذه الأمور، فليس لهكذا إنسان ديناً وإن كان يعتبر نفسه شيعيّاً، وواعظاً ومبلّغاً وداعية؛ فالله لا ينظر إلى هذه الظواهر، بل ينظر إلى أمرٍ آخر؛ فموازين ذلك العالم تختلف عن هذه الموازين المعمول بها.
فبناءً على ذلك، يقول الإمام السجّاد عليه السلام: لا تنظر إلى عملك، ولا تحسب له حساباً، بل انظر إلى تلك الحقيقة الموجودة في ذلك الجانب؛ فماذا على السالك أن يفعل؟ على السالك ألاّ يُقيم لعمله وزناً، وهذا هو عين البرنامج السلوكي الذي يوصي العظماء تلامذتهم بالالتزام به. فإذا ما أدى أحدنا صلاة الليل، أو أدّى فريضة الحج وقام بالطواف والسعي وأمضى بعض الوقت في الصحراء وتحمَّل المشقّة، فلا يُفترض به أن يحسب لعمله هذا حساباً ويضع في ذهنه أنَّ الله سيكافئه على هذا العمل؛ فهكذا توقّع هو توقّع خاطئ، فلا ينبغي للإنسان أن يتصوَّر أنَّ له على الله حقاً، وإلاّ فإنَّ الله سيضع نعمه التي أنعمها عليه بين يديه، ويقول له: ألم أٌهيئ لك طائرة أمريكية الصنع من نوع بوينغ ۷٤۷ كوسيلة لذهابك، لتجلس في أحد مقاعد الدرجة الأولى، وتصل بكل راحة في مدة ساعتين، وتذهب لتجلس بعدها في أرقى الفنادق المكيّفة؛ هذا في الوقت الذي كان فيه سفر الحج يستغرق ستة أشهر، يتعرّضُ فيه الحجّاج إلى هجوم قطّاع الطرقِ والحيواناتِ الوحشيّة التي كانت تُقطعهم إرباً إرباً؟! لقد كان من ينوي الذهاب إلى مكة أو كربلاء يكتب وصيّته قبل ذهابه؛ فكتابة مثل هذه الوصيّة تعودُ إلى ذلك الزمان، حيث كان احتمال عدم العودة راجحاً؛ ولهذا لم يكن يُشاهد في الحيّ أكثر من واحد من الحجاج أو زوّار كربلاء في ذلك الوقت؛ فهل كان ذهابك إلى مكة بهذا الشكل، أم في وسائل نقل مكيّفة؟ وهل كان سفرك، سفر للزيارة أم سفر للنزهة؟ وهل كان السفر يتمّ في عصر رسول الله صلى الله عليه وآله بواسطة الطائرة؟
